نظّم "منتدى المدينة" ندوته الخامسة عشرة في مركز توفيق طبارة بمنطقة الصنائع، مساء أمس الخميس، تحت عنوان: "حكومة الإصلاح والإنقاذ: تحدّيات وطموحات". وحملت الندوة في طيّاتها دعوةً صريحة إلى إعادة فتح النقاش العام حول مسألة القرار 1701 وتطبيقه، وملف إعادة الإعمار وضمان العدالة والشفافية، والإصلاحات المالية والاقتصادية التي باتت تمثّل حجر الزاوية لأيّ مشروعٍ وطنيٍّ جادٍّ في انتشال لبنان من أزماته المتراكمة. تجلّى هذا النقاش عبر مداخلاتٍ قدّمها ثلاثة محاضرين: الأستاذ الجامعي علي أحمد مراد، والأستاذة الجامعية في الدراسات الحضرية والتخطيط منى فواز، والصحافي الاقتصادي منير يونس. وقد امتدّت النقاشات لأكثر من ساعةٍ ونصف، شملت حوارًا بين الجمهور والمحاضرين حول سبل التأسيس لمرحلةٍ جديدةٍ من الاستقرار والتنمية والحوكمة الرشيدة.منيمنة وسكة النهوضافتُتحت الندوة بكلمةٍ ترحيبيةٍ ألقاها النائب إبراهيم منيمة الذي أدار الحوار وأشار فيها إلى أنّ هذه الجلسة تأتي في مرحلةٍ مفصليّةٍ بالنسبة إلى لبنان، حيث تتداخل الأزمات السّياسيّة مع التدهور الاقتصادي الحادّ، وتتسع رقعة الدمار العمراني الذي فُرض على مناطق عدّة نتيجة التصعيد العسكريّ في الحرب الأخيرة، وتُطرَح تساؤلاتٌ كبرى حول مدى التزام الدولة اللّبنانيّة وإسرائيل والمجتمع الدولي بما جاء في القرار 1701، وحول قدرة المؤسّسات الرسمية على تبنّي خططٍ واقعيةٍ وشفّافةٍ تعيد وضع البلاد على سكّة النهوض. كما أكّد أنّ الندوة تهدف إلى خلق مساحةٍ تفاعليةٍ ينخرط فيها الحاضرون في حوارٍ معمّقٍ حول التحدّيات والطموحات التي تكتنف أيّ مشروعٍ وطنيٍّ جامعٍ للإصلاح.المحور الأوّل: القرار 1701افتتح مراد المداخلات بالحديث عمّا سمّاه "الوعود المضمرة في القرار 1701"، كاشفًا عن تفاصيل وخلفيات هذا القرار الذي ارتبط بمرحلةٍ مفصليةٍ من تاريخ لبنان المعاصر. مشيراً إلى أنّ القرار، في توقيت صدوره، نصّ صراحةً على وقف الأعمال العدائية وتوسيع دور قوات الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان، بالتوازي مع تعظيم دور الدولة اللّبنانيّة، ومنع تهريب السلاح، وإطلاق الأسرى، واحترام الخطوط التي كانت قائمة قبل المواجهات. واعتبر أنّ هذا القرار مثّل آنذاك مخرجًا دوليًا وإقليميًا لتثبيت هدنةٍ طويلة الأمد في جنوب لبنان، ترافقت مع آلياتٍ واضحةٍ للتنسيق بين الحكومة اللبنانية وهذه القوات الدولية.
لكنّ هذه الصورة التي بدت في الوهلة الأولى متكاملةً ومتفقةً على تفسيرٍ موحَّد، أُعيد خلطُ أوراقها مع تغيّر موازين القوى الداخليّة والإقليميّة، إذ تمكّنت أطرافٌ فاعلةٌ في الداخل اللّبنانيّ وتحديدًا حزب الله من تعزيز قدراته العسكريّة والسّياسيّة. وفي حين كان الاتفاق الأصليّ قائمًا على ترتيباتٍ زمنيةٍ منضبطة، فقد تبيّن لاحقًا أنّ الميزان الإقليمي والميداني تبدّل إلى درجةٍ لم يعد فيها الاتفاق المكمِّل يشبه أصل القرار. إذ لم يعد طرفٌ واحدٌ في موقع ضعفٍ تام، بل أصبحت التسوية خيارًا إلزاميًا لجميع الأطراف المتصارعة في ظل واقعٍ جديدٍ يتطلب تجنيب البلد المزيد من الانهيارات.
وقال "رغم أنّ الاتفاق لا يربط تمويل إعادة الإعمار بنزع سلاح أي جهة، فإنّ ذلك لا ينفي أنّ توازن القوى على الأرض قد يجعل هذا الموضوع عرضةً لضغوط خارجية، خصوصًا إذا اشترط المموّلون ربط المساعدات بخطوات معينة. ويزداد الأمر صعوبةً مع استمرار وجود قضايا شائكة مثل مشكلة الأراضي المحتلة التي تبقى غير محسومة على المستوى القانوني أو الديبلوماسي. يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة والسلطة الجديدة في لبنان هو التعامل مع بقاء قوات الاحتلال في نقاط محددة، والتوازن بين خطابٍ داخليٍّ لبعض القوى يميل أحيانًا إلى التهدئة والواقعية، وخطابٍ آخر تعبوي شديد اللهجة تجاه الخصوم، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. تبدو هذه الازدواجية سياسة غير مفيدة، إذ تضعف الثقة بالدولة وتزيد من التوتر".
واضاف "في المقابل، يُطلَب من خصوم هذه القوى أيضًا العمل على خفض الخطاب المتشنّج، حفاظًا على ما تبقّى من مناعة وطنية. من الواضح أنّ ثمّة تحوّلات كبرى في المنطقة، ولا سيما في الجوار، قد تدفع العدو الإسرائيلي للسعي إلى تعديل الاتفاق بما يخدم مصلحته، فلا يبقى من خيار سوى أن تتحرّك الدولة اللبنانية بموقف موحَّد، لأن البديل عن ذلك هو مزيد من الفراغ والتشرذم. إنّ خيار الدولة هو الأساس الذي أنهى المواجهة سابقًا، ويُفترَض أن يكون حاضرًا اليوم أيضًا لاستعادة السيادة الكاملة وتعزيز سلطة القانون ومنع التفرد بالقرارات المصيرية. ما يُطرَح في التصريحات الرسمية وفي النصوص الدستورية والبيانات الوزارية عن سيادة الدولة واحتكارها للسلاح وسلطتها على أراضيها كلّه من البديهيات في أي بلد طبيعي. غير أنّ الواقع اللبناني بحاجة إلى تثبيت هذه الأسس، حتى تصبح ممارسة فعلية لا مادة سجالية. وفي نهاية المطاف، تبقى مهمة إعادة الإعمار وضمان عودة السكان إلى مناطقهم أولويةً وطنية تتطلب تضافر الجهود الرسمية والشعبية في آن واحد، مع الحرص على عدم التشكيك بدور الدولة والانخراط في مؤسساتها لتعزيز هذا الدور، أملًا في أن تكون هذه المرحلة فرصة لتثبيت الاستقرار والتأسيس لمستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا. إعادة الإعمارحمل المحور الثاني عنوان "إعادة الإعمار: بين التحدّي المادي والشمول الوطني".وسلطّت الدكتورة فواز الضوء على معضلة إعادة الإعمار. استهلّت مداخلتها بطرح أسئلةٍ جوهرية: "كيف يمكن التأسيس لمشروعٍ وطنيٍّ حقيقيٍّ يعيد بناء ما تهدّم؟ وهل هناك خطواتٌ عمليةٌ واضحةٌ تدعمها الدولة أم أنّ المسألة ستتكرّر كما شهدنا بعد انتهاء الحرب الأهلية وغيرها من المواجهات، حين غابت الدولة تمامًا أو تم تهميشها لصالح جهاتٍ سياسيةٍ وحزبيةٍ خاصة؟".
أوضحت فواز أنّ الحديث المتداول أخيرًا حول تقرير البنك الدوليّ الذي استعرض فيه حجم الخسائر في البنى التحتيّة من دون التعريج على موضوع العقارات والمساكن الّتي دمُرّت، معتبرةً أن هذا أمر لا يبعث على الارتياح. فثمّة أسئلةٌ حول ما إذا كانت مشاريع إعادة الإعمار ستركّز فقط على بعض الجوانب كالبنى التحتية الأساسيّة، من مياهٍ وكهرباءٍ وطرقات، أم أنها ستأخذ في الاعتبار ضرورة توفير السكن لأعدادٍ كبيرةٍ من العائلات المشرّدة. كما أبدت تخوّفها من تكرار سياساتٍ إقصائيةٍ في توزيع المساعدات، ما يؤدّي إلى مزيدٍ من التهميش لمناطق بعينها، بحجّة "ألأولوية" أو "انتفاء الإمكانية" في توفير الدعم للجميع.
ولمّحت فواز إلى أنّ تجارب إعادة الإعمار السابقة في لبنان تحمل دروسًا قاسية، أبرزها أنّ غياب آلياتٍ مؤسساتيةٍ واضحةٍ سمح لقوى الأمر الواقع بتوجيه التمويل حيث تريد، أو بالإسراع في بناء مناطق وإهمال مناطق أخرى، فتُكرَّس الانقسامات بدلاً من ردم الهوّة بينها. فتصبح مشاريع إعادة الإعمار أداةً لترسيخ نفوذ جهاتٍ محدّدة، ولا تُدار بشفافيةٍ تضمن عودة الأهالي إلى أراضيهم وبيوتهم بعزّةٍ وكرامة.
لذلك شدّدت فواز على ضرورة الإسراع في إقرار تشريعاتٍ تنظّم العملية، بحيث لا يُجبَر المواطن العادي على المرور بوسطاء أقوياء – سواء سياسيين أو ماليين – للحصول على حقّه في المساعدة. وتحدّثت عن أهمية وجود خططٍ وطنيةٍ لإعادة إنعاش كل المناطق المتضررة، مبنيّةٍ على قاعدة من الشفافية والمشاركة المجتمعية، تضمن مساهمة الخبراء من معماريين ومخطّطين واجتماعيين في بلورة مخططاتٍ حضريةٍ وإنمائيةٍ تحاكي احتياجات الناس الفعلية. وفي سياقٍ موازٍ، حذّرت من خطر تسييس التمويل الخارجي واشتراطاتٍ معيّنةٍ قد تفرغ عملية الإعمار من مضمونها الحقيقي، فتتحوّل إلى مساومةٍ بين الجهات الدولية والداخلية لا تراعي التحديات الاجتماعية والاقتصادية.
اختُتمت مداخلة فواز بالتركيز على البعد الإنساني لإعادة الإعمار، باعتباره ليس عمليةً عمرانيةً صِرفًا، بل مسارًا لإصلاح النسيج الوطني الاجتماعي وبناء علاقةٍ جديدةٍ بين المواطن والدولة، تتسم بالمصداقية والاحترام والشفافية. فلا يمكن الحديث عن إعادةٍ ناجحةٍ للبناء بينما الإنسان المشرّد يشعر بالتهميش أو يُحاصَر بشرطٍ سياسيٍّ ما. وفي هذا الإطار، اعتبرت أنّ نجاح هذه العملية قد يكون فرصةً لإحداث إصلاحاتٍ جذريةٍ في الإدارة العامة وتطوير مؤسسات الدولة، إذا أُحسن استغلالها.الإصلاحات الماليّة والاقتصاديّةفي المحور الثالث، تناول الصحافي الاقتصادي يونس الواقع المالي والاقتصادي، وذكّر بأنّ لبنان يقف اليوم على حافّة الانهيار منذ سنواتٍ طويلة، ولم تُتَّخذ أيّ تدابيرٍ جديّةٍ لتعديل المسار. فبعد الانهيار التاريخي لسعر صرف الليرة وما تبعه من سحبٍ غير منضبطٍ للودائع المصرفية، تعمّقت هوّة انعدام الثقة بالمؤسّسات المالية، خصوصًا مع فراغ خزائن المصارف من أموال المودعين الذين تضوّرت حساباتهم بينما استفاد قلّة من كبار الأثرياء والسياسيين من ثغراتٍ قانونيةٍ وإدارية.
وأشار يونس إلى أنّ الأسباب الجذرية للأزمة تتلخّص في عقودٍ من السياسات المالية الخاطئة، حيث كانت تُغطّى العجوزات الهائلة عبر الاستدانة بفوائد مرتفعة، وكانت بعض المصارف تحقّق أرباحًا خياليةً على حساب الخزينة العامة، فيما لجأت الدولة إلى سياسة تثبيت سعر الصرف بالرغم من ضعف الاقتصاد الإنتاجي. هذا الوضع كان يحتاج إلى حوكمةٍ صارمةٍ وإلى سلطة رقابيةٍ مستقلّةٍ تمنع وصول البلاد إلى حافة الإفلاس، لكنّ المنظومة الحاكمة – وفق تعبيره – ارتبطت مع المصارف والمستثمرين بعلاقاتٍ نفعيّةٍ تحمي مصالحهم المشتركة، ما سمح بتفاقم الدين العام وتدهور المالية العامة.
ومع تفاقم الأزمة، أُهدِرت مليارات الدولارات من أموال المودعين سواء عبر تهريبٍ موارِبٍ للحسابات الكبيرة أو عبر سياسات دعمٍ لم تصل فعليًا إلى مستحقيها. وأوضح يونس أنّ المطروح اليوم على طاولة الحكومة المقبلة ليس مجرّد تعديلٍ شكليٍّ للأرقام في الموازنات، بل إعادة تكوين ثقةٍ مفقودةٍ بشكلٍ شبه كامل. لا يتحقّق ذلك إلا عبر إجراءاتٍ جذريةٍ توجّه رسالةً واضحةً إلى الداخل والخارج بأنّ لبنان ماضٍ بصلابةٍ نحو الإصلاح. ومن أبرز هذه الإجراءات، بحسب رؤيته، إقرار خطّةٍ لتوزيع الخسائر بشكلٍ عادل، بحيث لا يتمتع أصحاب الحسابات الكبرى بحمايةٍ مطلقة، بينما يتحمّل الموظّفون والمتقاعدون والمواطنون البسطاء العبء الأكبر. كذلك دعا إلى محاسبة مَن استفاد في الماضي من التلاعب المالي، وأن تُكشَف السريّة المصرفية عن كلّ الحسابات المتصلة بالسلطة والنافذين فيها.
كما أبرز أهميّة الحرص على موارد الدولة وأصولها، فلا يجوز التفريط بها عبر بيعها بأثمانٍ بخسةٍ لتغطية فجواتٍ ماليةٍ ما كانت لتُحدِث لو وُجدت إدارةٌ رشيدة. واعتبر أنّ تعيين حاكمٍ جديد لمصرف لبنان يملك رؤيةً مستقلةً ونزيهةً قد يشكّل محطةً مفصليةً في وضع البلاد على السكة الصحيحة، ولو تطلّب ذلك مواجهةً مع المنظومة القائمة. فالبلد لا يتحمّل المزيد من المساومات الضبابية أو التسويات القاتمة التي تبقي الوضع على حافة الانفجار الاجتماعي.آفاق الحلّ ورهاناتهبعد الكلمات كانت مداخلات شارك فيها أكاديميون وطلابٌ وناشطون اجتماعيون وصحافيون. وتناولت الأسئلة مدى قابلية هذه الطروحات للتنفيذ على أرض الواقع، في ظلّ تشعّب الولاءات السياسية والخلافات الطائفية والحزبية. وتساءل بعض الحاضرين عمّا إذا كانت أيّ حكومةٍ مقبلةٍ ستستطيع مجابهة الضغوط الدولية والإقليمية التي قد تفرض شروطًا معينة على إعادة الإعمار، أو إملاءاتٍ على توزيع الخسائر المالية.
واختُتمت الندوة بالتشديد على أنّ "حكومة الإصلاح والإنقاذ" التي تُثار حولها الآمال اليوم لا يمكن أن تتحوّل إلى واقعٍ ما لم تحظَ بدعمٍ شعبيٍّ وغطاءٍ سياسيٍّ صلب، وما لم تتبلور لدى هذه الحكومة خريطة طريقٍ تُنفّذ فيها التزاماتها حيال القرار 1701 تعزيزًا لدور الدولة وسيادتها، وتُطلق مشروع إعادة الإعمار برؤيةٍ شاملةٍ تتبنّى مبدأ العدالة، وتتبنّى حزمةً من الإصلاحات المالية والاقتصادية التي تُعيد الثقة إلى الناس وتعيد للدولة هيبتها في الداخل والخارج.