في وقت متأخر من مساء السبت بدأت مراسم الإعلان عن تشكيل الحكومة السورية، والتي يُفترض أنها الحكومة الانتقالية. على صعيد الشكل، هي المرة الأولى التي يتقدّم بها الوزراء بإيجاز عن خطة كلّ منهم لوزارته، وكانت هذه فرصة للتعرّف عليهم وعلى التباينات فيما بينهم. إذ ظهر مَن هو مدرك جيداً للإحاطة المطلوبة منه، وظهر مَن تعامل معها كمناسبة خطابية تعفيه من تقديم تصور أولي عن عمله المقبل.
لكن حتى هذا الأخير لقي تهليلاً واسعاً لدى أنصار السلطة، وزاد تهليلهم نكايةً بانتقادات الذين أشاروا إلى فداحة عدم تقديمه ما يشي بمعرفته بالوزارة التي يترأسها. النقد ممنوع لدى هؤلاء الأنصار، وبحجج صارت معروفة مسبقاً. بل يمكن تصوّر ردود الأفعال برمّتها (قبل حدوثها) على نحو يبدو كاريكاتورياً، مع أنه ليس كذلك، حيث هناك شريحة واسعة مستعدة سلفاً للتهليل.في المقابل، ثمة فئة ضيقة من الذين يرفضون السلطة جذرياً، بمعنى أنهم يرفضون الاشتباك معها على صعيد التفاصيل ولو من موقعهم الرافض نفسه. وليس في المنتصف بين النقيضين، بل على حدة، هناك الذين يتعاطون من منظور السياسة، بوصف الأخيرة اشتباكاً بالواقع على صعيد الكليات والجزئيات. وأيضاً بوصف السياسة وسيلة للتشارك في الفضاء العام، من دون إقصاء ومن دون السماح لأية جهة بالتغوّل عليه.
جدير بالذكر أن إعادة السياسة إلى التداول كانت من بين المقاصد الأساسية لثورة 2011، ويبدو هذا الجانب غائباً أو مغيَّباً عن معظم سجالات اليوم القائمة على اصطفافات أرسخ من أن تُحسَب على السياسة. الثورة حسب أنصارها انتهت على أبعد تقدير مع سقوط الأسد، وهي بحسب آخرين انتهت قبل ذلك بسنوات طويلة لصالح الحرب وانقساماتها. الثورة انتهت، بعد شهور بالنسبة للبعض، وبعد سنة أو اثنتين بالنسبة للبعض الآخر، وعندما دخل الشرع دمشق بالنسبة لآخرين. المهم أن ثورة 2011 قد انتهت، ولا توجد ثورة أخرى الآن، وهذا ما يجب التأكيد عليه، والانتباه جيداً إلى مضمونه.معظم المنخرطين في سجالات اليوم لا يزال ماثلاً في أذهانهم انقسام ثورة 2011 ثم انقسام الحرب التي تلتها، وهو بطبيعته انقسام جذري لأنه استقرّ بوصفه انقساماً دموياً لا رجعة فيه. وعلى ذلك لم يخضع للتفحّص والتمحيص، رغم أن العديد من انحيازات الحرب كان محكوماً بالضرورة والإكراه، لا برغبات حرة، وأبسط مثال على ذلك هو الانحياز إلى فصائل لا تلبّي التطلعات، لكنها كانت مقبولة لأنصارها بالمقارنة مع العودة إلى جحيم الأسد. والعداء المستحَق للأخير وحَّدَ طيفاً واسعاً من المتخالفين، ونسبة منهم لا تؤمن بالمُثُل التي نادت بها الثورة، ومن ضمنها نسبة غير ضئيلة من الذين يعتقدون أن الثورة قامت لأن الأسد ارتكب المجازر، أي بوصفها ردّ فعل لا غير.
القسم الأكبر من السوريين لا يعلم الكثير عن النضالات التي تصاعدت في النصف الثاني من السبعينات، وانتهت بقمع شديد من الأسد الأب. ثم عادت الحيوية رويداً رويداً في التسعينات، لتكون مع بداية القرن أكثر وضوحاً في تبنّي قيم الحرية والديموقراطية. انطلاق الثورة، بهذا المعنى، هو من ضمن سياق سوري فلا يُفسَّر فقط بموجة الربيع العربي. وعندما نقول إنه سوري فالحديث هو عن سياق من السعي إلى التغيير الديموقراطي، السياق الذي لم يبدأ بالثورة ولم ولن ينتهي بانتهائها.وفق السياق ذاته، تثبت السلطة انتماءها إلى الثورة بأن تيسّر السياسة كسبيل إلى التحوّل الديموقراطي، فلا يُضطر السوريون إلى ثورة جديدة؛ هذا لا يخص السلطة الحالية فقط بل يصح لو كانت مكانها أية سلطة أخرى. الثورة هي بنت الضرورة، وهي الاستثناء لا القاعدة، وهي مكروه بقدر ما يكون الثمن المدفوع غالياً، وهذا المكروه لا ينفي الاعتزاز بقيَمها.
يُبنى على ذلك أن انقسامات الثورة هي أيضاً الاستثناء لا القاعدة، وجذرية الانقسام استثناء آخر، بينما القاعدة هي الانقسامات السياسية المتولّدة عن مصالح ورؤى مشتركة لأطرافها ضمن صراع سلمي. وعندما نقول إن الثورة انتهت فمن المفترض تالياً أن تنتهي انقساماتها لصالح انحيازات جديدة للسوريين؛ انحيازات سياسية بمعنى أنها تتوسل السياسة كأداة للاختلاف، ولا تتوسل العنف حتى في حالات الخلاف الراديكالي، ولا يسعى أي طرف إلى إسكات الخصم والقضاء عليه قضاء مبرماً على غرار ما آل إليه الصراع مع الأسد كصراع وجود.اليوم، هناك قدر كبير من العنف اللفظي بين السوريين على السوشيال ميديا، عنف يذكّر ببدايات الانقسام على خلفية الثورة، وهو بمعظمه صادر عن أولئك المؤمنين بأنها انتصرت. هذه المفارقة يفسّرها عدم استقرار فكرة الانتصار في نفوسهم، أو عدم فهمهم لمغزى الانتصار الذي يؤذن باستهلال السياسة كساحة اختلاف لا كميدان للإقصاء. يزيد من حدة العنف بروز انقسامات ضمن أبناء "الخندق الواحد"، بعدما استكان أبناء الخندق إلى تشاركهم فيه وكأنه من البديهيات التي لن تخضع للتغيير.
أسوأ ما في الأمر أن التعبير عن الخصومات المستجدة يُمارس بالطريقة ذاتها الخاصة بانقسامات الثورة، وبالمفردات ذاتها، وهذا دليل إضافي على أن انقسام الثورة غير قابل لإنتاج معنى مشترَك جديد مواكب لانتهائها. في الأصل يلزم الاعتراف بأن رفقة الثورة والحرب هي مؤقتة، وليست ارتباطاً كاثوليكياً، والاعتراف كفيل بأن يدفع الشجاعة العاطفية قدُماً من أجل الانفصال والقول: وداعاً يا أصدقاء. وإذا كان تحوّل بعض أصدقاء الأمس إلى خصوم اليوم محزناً على الصعيد الوجداني، فمن المؤسف ألا يكون متوقعاً، وأن يكون صادماً على صعيد الوعي.لقد أظهرت السلطة وعياً أعلى من أنصارها في التموضع الجديد، من خلال التشارك مع رجال من العهد البائد بمن فيهم وزراء في الحكومة الجديدة، وهي تعرف الذين تتشارك معهم، فلا تحتاج إلى متطوّعين لتتنبّه إلى سجل هؤلاء. أغلب الظن أن الجمهور القليل الواعي لمصالحه مع السلطة غير متفاجئ بشراكاتها، المشكلة هي في الجمهور الذي تفاجئه السلطة بذلك، وهذا مكوّن من شريحة واسعة من غير الواعين لمصالحهم؛ الذين هم خارج السياسة فعلياً بينما يظنون أنهم منشغلون جداً بها.
قد تكون هناك حاجة لمزيد من الوقت كي ينقسم السوريون على أساس تحالفات سياسية جديدة، لأن المصالح الجيدة لم تتبلور وتنضج بعد. الأكيد أن تحالفات الثورة والحرب انتهت، والتأكيد هنا ضروري ليُعاد الاجتماع السوري على نحو أرحب. الأكيد أيضاً أن قطار التغيير الديموقراطي لم يصل محطته الأخيرة، وأمامه العديد من المحطات التي سينزل فيها البعض ويصعد منها البعض الآخر، ولن يندر أثناء سيره أن يُرمى بالحجارة.