يعكس تمثيل مختلف التيارات الإسلامية في "مجلس الإفتاء الأعلى" الذي شكله الرئيس السوري أحمد الشرع، وهو المجلس الذي يتولى إصدار الفتاوى في المستجدات والمسائل العامة، رغبة القيادة السورية في خلق توازن، وتحديداً بين التيار السلفي (المقرب من الإدارة السورية)، والتيار الأشعري (الوسطي).
وقال الرئيس السوري الشرع إن "مجلس الإفتاء سيسعى إلى ضبط الخطاب الديني المعتدل، الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، مع الحفاظ على الهوية ويحسم الخلاف المفضي إلى الفرقة، ويقطع باب الشر والاختلاف".
وقلصت تركيبة المجلس إلى حد كبير، المخاوف لجهة "هيمنة" التيار السلفي على المشهد الديني في سوريا، بحيث ضم المجلس شخصيات عديدة تُعرف بوسطتيها، منها أسامة الرفاعي رئيس المجلس، ومحمد راتب النابلسي، وعبد الفتاح البزم، ومحمد وهبي سليمان، وعلاء الدين القصير.
في المقابل، ضم المجلس عدداً من الأعضاء الذين ينتمون للتيار السلفي، ومنهم عبد الرحيم عطون، الشرعي العام السابق في "هيئة تحرير الشام"، المعروف بتشدده، إضافة إلى مظهر الويس.
وكانت التوقعات تُرجح أن يتم تكليف عبد الرحيم عطون برئاسة مجلس الإفتاء الأعلى، لكن الاختيار وقع على الشيخ أسامة الرفاعي.
إطفاء الحرائق
وتعليقاً، يقول الباحث في الجماعات الإسلامية خليل المقداد لـ"المدن"، إن "تشكيلة المجلس لا تخرج عن إطار توجه الحكومة الهادف إلى كسب كافة أطياف الشعب السوري، وإطفاء الحرائق، لضمان ديمومة الحكم". ويصف تشكيلة المجلس بـ"المفاجئة"، ويضيف "المتوقع من الإدارة السورية كان أن تُغلّب التيار السلفي الجهادي، لكن يبدو أن التوازنات الإقليمية والدولية قد فرضت العكس".
وبحسب المقداد، فإن مقابل تغليب توليفة التيار "الأشعري الصوفي" على المجلس، قد نشهد بعض الامتعاض من جانب "التيار السلفي"، ويقول: "من المبكر الحكم على التوافق بين أعضاء المجلس، لكن يبدو أن هناك توجيهات على ضرورة التوصل لنقاط التقاء".
وكل ما سبق، يؤكد بحسب الباحث، أن الإدارة السورية نجحت، حتى الآن، في المضي في خطة "الاعتدال"، ويقول: "للآن يؤشر خطاب القيادة السورية إلى استقطاب كل السوريين".
ونص قرار تشكيل المجلس على أن يتخذ المجلس قراراته بالأكثرية، وفي حال تساوي الأصوات، يقوم رئيس المجلس (أسامة الرفاعي) بالترجيح.
وضم المجلس أيضاً شخصيات "تقليدية" ليست منتمية إلى تيار واضح، مثل إبراهيم الحسون، وعلاء الدين القصير، ونعيم العرقسوسي.
تنوع مذهبي ومناطقي
وبجانب التيارات المذهبية السُنية التي جمعها المجلس، برز أيضاً التمثيل المناطقي، بحيث يرجع أعضاء المجلس إلى أكثر من محافظة (دمشق، حلب، الساحل، دير الزور).
وعن ذلك يقول الناشط السياسي محمد سبسبي، إن تشكيلة المجلس تعكس رغبة الإدارة السورية في تجاوز الخلافات المذهبية والمناطقية أيضاً وتقليل مخاوف الشارع السوري، موضحاً لـ"المدن"، أن "الشارع السوري لا يزال يتعامل بحذر مع السلطة الآتية من خلفية سلفية، خصوصاً في العاصمة دمشق، حيث تسود الوسطية الدينية الأقرب للصوفية".
ويضيف أن المجلس يضم في عضويته شخصيات تمثل السلطة، وتُمثل الرؤى الثانية مثل الصوفية والأشاعرة. ويقول: "التشكيلة مهمتها سحب فتيلة أزمة بدأت تظهر بعض فصولها، مثل ما جرى في أحد مساجد حماة".
وقبل أيام، حدثت مشاجرة كبيرة داخل مسجد "مصعب بن عمير" في حماة، بعد أن هاجمت مجموعة من التيار السلفي (المتشدد)، مجموعة "صوفية" كانت تؤدي عبادات بطقوس صوفية.
والمثير للاستغراب بحسب سبسبي، هو أن المجلس ضم في عضويته بعض المشايخ المحسوبين على النظام البائد، مثل عبد الفتاح البزم، وقال: "يبدو أن حسابات السلم الأهلي قد دفعت إلى ذلك، إلى جانب حساب كسب القيادة للتأييد الشعبي السوري".