كانت مهمة تيارات قومية ويسارية، ثم إسلامية جهادية، ازدراء الحدود الوطنية "التي رسمها الاستعمار"، والطعن بشرعية وجود الكيانات-الدول، بوصفها كيانات مصطنعة تطمس الهوية الأصلية لشعوب وجماعات هذه المنطقة من العالم، حسب قناعات راجت لأكثر من قرن.
أيضاً، كانت مهمتها في تاريخ الصراع مع إسرائيل، أو في الحروب البينية والأهلية، الاستخفاف بـ"الخسائر"، أكان هدم العمران وخراب الاقتصاد وتمزيق المجتمعات، أو موت الناس و"استشهاد" الشباب جيلاً بعد جيل. وأكثر من الاستخفاف، كانت الأدبيات الرائجة (وما زالت) امتداح الموت والدم المسفوك وطلبه، وتعظيم التضحيات مهما كبرت. بل وفي حقبة سابقة وصل الأمر إلى اعتماد العمليات الانتحارية كنهج وسلاح.إلى جانب هذا كله، تغاضت حركات يسارية وقومية وإسلامية، أو تواطأت واشتركت وتحالفت مع أنظمة استبدادية كان إنجازها الأبرز المقابر الجماعية.
بمعنى آخر، كانت سيادة الدول وحدودها كما حياة مواطنيها وأملاكهم وثرواتهم، عدا حقوقهم السياسية.. مستباحة ولا قيمة أو حصانة لها، بذريعة محاربة إسرائيل والاستعمار والاستكبار العالمي.
هكذا، تم إغفال ما كشفه سقوط صدام حسين من مقابر جماعية سرية لمئات آلاف الضحايا. ومهد هذا الإغفال والاستخفاف لكي يتمثّل به نظام بشار الأسد، إن بالمجازر الجماعية أو باستخدام السلاح الكيماوي. ولم يترتب على ما كشفته أهوال العراق وليبيا وسوريا أي مراجعة أخلاقية أو أيديولوجية أو حقوقية.. حتى الآن.وإذ كان العالم يرى ضعف حساسيتنا الأخلاقية واستخفافنا تجاه ما تقترفه أنظمة وحركات مسلحة بحق شعوبها ومواطنيها، كما تجاه أعمال إرهابية مشهودة منذ ما قبل 11 أيلول 2001 وما بعدها، سوّغ هذا العالم لنفسه الاستخفاف أيضاً بأرواحنا وبسيادة دولنا على أرضنا وحدودنا، فما عادت تُذهله أو تغضبه الجرائم الإسرائيلية الموصوفة ولا يتوقف عند حقائق الإبادة والتطهير. وتعززت عنصرية استعمارية قديمة ظننا لفترة أنها تتلاشى، فعادت قيمة حياة رجالنا ونسائنا وأطفالنا أقل بكثير من قيمة حياة الإسرائيلي والأوروبي والأميركي..
وذهب الجنرالات الإسرائيليون في تبرير ما يقترفونه في غزة (ما يعادل التدمير النووي) إلى اتهامنا واتهام العالم بالنفاق، مذكراً بصمتنا والعالم عن براميل الأسد وسلاحه الكيماوي. وعلى هذا، أسس الإسرائيليون معادلة "أخلاقية" قوامها يشبه الشعار القديم: العربي الجيد هو العربي الميت.وعلى المنوال نفسه، منح الإسرائيليون أنفسهم حق استباحة حدود الدول وإهانة سيادتها واحتلال ما تطمع به من أرض، من غير احتساب لأي احتجاج دولي، ومن دون تخوف من خرق القوانين الدولية أو الإخلال بمبادئ النظام العالمي.
اليوم، تتهدد ما بقي من فلسطين مخاطر الابتلاع النهائي. ويبدو أن سوريا التي تركها آل الأسد أشلاء وأرضاً مشرعة، أمام مخاطر أسوأ من المشروع الفرنسي في مطالع القرن الماضي بإنشاء دويلات إثنية-طائفية، بعدما أعلن الإسرائيليون عن إرادتهم باحتلال أجزاء من جنوب سوريا وفرض تقسيم البلاد ولو بالقوة أو بافتعال حروب أهلية. كذلك، لا يخفي الإسرائيليون رغبتهم بتحويل الشريط الحدودي اللبناني، بعمق كيلومترات عدة، إلى أرض خلاء، وإقامة قواعد عسكرية استراتيجية فيه، عدا الاستباحة الأمنية والاستخباراتية، براً وبحراً وجواً.هذا ما يفرض علينا، الكف عن الاستخفاف بالحروب وبالدماء وبالدمار، وإعادة الاعتبار لمعنى الكيان السياسي المستقل، ولحدود الدولة الوطنية الدستورية. كما إعادة الاعتبار لحياة البشر واقتصادهم وعمرانهم ورغباتهم وتطلعاتهم وحقوقهم السياسية.
الفلسطينيون مطالبون اليوم بالضبط بما يحاوله اللبنانيون والسوريون من إعادة تأسيس دولة ونظام سياسي، وإعمار ما تدمّر، والبحث عن السبل وأساليب الحوار الجدي لطي صفحة الانقسامات والعصبيات الطائفية والإثنية، علّنا نبدأ السير بطريق التحرر والاستقلال، لنكون دولاً طبيعية وشعوباً وافرة الكرامة والإنسانية. هذا بالضبط ما فعله السوريون قبل قرن، حين أفشلوا المشروع الفرنسي وثاروا عليه، وحافظوا على وحدة بلادهم.
مرة قال الإمام موسى الصدر: "السلام في لبنان هو أفضل وجوه محاربة إسرائيل". على هدي هذا القول، هل نحوّل المصيبة التي حلت بلبنان إلى فرصة؟