ثمة درس تمدّنا به الأنثروبولوجيا بعمق وهو أن بعض العشائر، بعض القبائل، بعض الجماعات بالإجمال بحاجة ماسة من آن إلى آخر، لجثة ضخمة، جثة الجثث... الجثة الكبرى.

فالجثة التي من هذا النمط تراها تصنع التاريخ بصخب تارة، وبهدوء تارة أخرى، لكنها في كل الأحوال تتحول لتكون هي الأفق والمُستقَرّ، وصولاً لأن تكون الأمة والعالم والحاضر والما وراء. في هذه السياقات، لا تفيض الجثة الكبرى بمحض ذاتها، إنما تفيض بذوات ناسها، أولئك الذين يرافقون رحلة ترابها الأخير.
يخيّل للمرء أن الجثة الكبرى هي كائن صعب الإرضاء وصعب المراس، بل تراها تضيق ذرعاً إلا بتماهي الآخرين معها والذوبان فيها. فجثة الجثث هذه، فضلاً عن كونها مِلح الأرض وبركاتها، هي أيضاً ملح السماء ودروبها. إنها درب الصعود والترقي وصولاً إلى ضبط أتباعها كعناصر في جيش الغيب.
غالباً ما تخضع الجثث للتشريح في المختبرات الطبية. أما في حالة الجثة الكبرى، فإن العالم، كل العالم، هو مجرّد مختبر ولاء. فالجثة الكبرى هي التي تشرّح عالم ناسها، يوميات هؤلاء الناس ودقائق حياتهم والأنفاس.
يثبت التاريخ، تاريخ الجثث الكبرى، أن الجماهير عديمة الوجوه والملامح في حضرة هذه الجثث... لا تمايزات ولا تفاوتات ولا اعتبارات شخصية. فالجثة الكبرى هي القَدَر الذي ينظّم شؤون الناس وتعيين ملامحهم وهيكلة أجسادهم ونطق ألسنتهم وصولاً إلى هفواتهم الكبرى والصغرى.
ينبئنا درس التاريخ، بصخب، أن الجثة الكبرى تملك القدرة على شحذ حواس القبيلة، بل ترى هذه الجثة تتقن تكثيف الحواس. فعَينُ ناس الجثة الكبرى، تسعى لأن تتجاوز النظر. أما لسان ناسها، فيلهج بما يتجاوز الكلمات، وأنامل هؤلاء تراها تلامس عتبات الجنة حيث تعبق رائحة الله بحضرة تلك الجثة الكبرى.
إن الجثة الكبرى هي في بعض محمولاتها، دفع الأجساد بما يتجاوز الواقع العيني لهذه الأجساد. وهي أيضاً الحقيقة التي تلازم الأحياء بما يفوق توقعاتهم من عشيرتها وناسها. فهي جثة تنبض بالحياة بما يفوق نبض حياة مشيعيها، وفي الوقت نفسه، تعيد هذه الجثة للموت وَقارَه في عالم أضحى فيه الموت مجرد خبر في صفحات التواصل الاجتماعي. بالنسبة إلى معتنقيها، أكثر ما تمدّ الجثة الكبرى هؤلاء، وفي غمرة حزنهم الضبابي، بإحساس متنعّم بالعالم - كما يقول أهل الترقّب والإختصاص. بشعور من الديمومة يضاهي – للمفارقة – مدّ الزمان ولا تناهيه. مغزى آخر تلفح به الجثة الكبرى أولئك الذين يترصدون "صعودها". فهي بالنسبة إلى هؤلاء، لا تُوارى في تراب الأرض، لكنها تعتلي السماء، تستقرّ هناك حيث تقدح زناد أذهان أبناء قبيلتها بأبد حضورها، بديمومة رسم حياتهم، وأيضاً باستخلاص عِبَر ما قيل وما يقال وما سيقال في المقبل من الأيام والسنوات والعقود.
إن جثة الجثث تلك، الجثة الكبرى، هي بمثابة دعوة دائمة لتأقلم الحياة مع ما سوف يلي من جثث سعيدة وجثث إلهية وجثث طاهرة، وصولاً إلى جثث الذين لم يولدوا بعد. من المستحيل أن تكون الجثة الكبرى محل انطواء، شأن بقية الجثث. ومن المستحيل، بالمثل، أن يُعمل النسيان يده فيها. ذلك أن هذه الجثة تمنح جمهورها خيوط رتق عالمهم الهش، تمنحهم الدفء، وأكثر ما تمنحهم مرآة ضخمة وحُسن الصورة.
كل العالم مجرد فرضية في حضرة الجثة الكبرى. فللجثة الكبرى قصّها الخاص وسردها المتين الذي يرسم حدود العالم. إنها ممر للخلود وإضفاء المعنى، وهي في متنها الأعم حظ الجماعة بالكرامة والآباء والرفعة. فهي قد تكون وتداً يشد القبيلة إلى عمق وجودها، وقد تكون شريطاً شائكاً يحمي حمى هذه القبيلة لكنها في الإجمال ذلك الخندق شديد العمق والإتساع.
بسبب ما يداخلها من ضياء مقدّس، تكفّ الجثة الكبرى في وعي ناسها عن أن تكون محل تحلل واندثار، بل هي أداة الرب لجمع أوصال الجماعة. إنها الزمن الذي لا نهاية له، وذلك الخط الدائري الذي ينبىء بالعودة!
لا تسترق الجثة الكبرى النظرات، ولا تختلس السمع، بل تراها تجحظ بملء العيون وتنصت بسعة الآذان إلى وقع الأنفاس ونبضات القلوب وجريان الدم في أوردة رجالها ونسائها وأطفالها، وصولاً ربما إلى الأجنّة في بطون الأمهات.
أن أكثر ما تشي به جثة الجثث، الجثة الكبرى، لناسها، إن الحياة عنوان الموت، وأن السعي إلى الشهادة هو موهبة يجب التمسّك بها. فالحياة بالنسبة إلى ناس الجثة الكبرى، هي فعل إحراج، إذا لم تكن هذه الحياة مجرد طريق إلى المماهاة مع الجثة الكبرى. وفي هذا الصدد، ترى الجثة الكبرى تتبرّع بكل ضروب فكّ ارتباط ناس القبيلة مع الحياة، مع العالم. فهي جثة، كما يقول لنا التاريخ والحاضر وربما المستقبل، تتبلور وفق روزنامة خاصة تحصي عبر أوراقها عدد الجنازات يوماً بيوم.
لا تجيز الجثة الكبرى لنفسها أن تنتحي مكاناً قصياً، فهي على الدوم هنا وهناك، كما يتمثلها كهنة القبيلة وعموم ناسها.
إن العالم هو واقعة غير مكتملة بلا وهج الجثة الكبرى. العالم عندئذ عالم يباب وعبوس وملل وسأم وضيق حال. الجثة الكبرى هي العالم المنطوي على وعد الخلاص ووعد السؤدد ووعد نعيم الجنة. فالتاريخ يحفل بكمٍّ لا بأس به من أنماط الجثة الكبرى، حيث الدعوة الدائمة للإنخراط في مقدّس الدم... ولله في جثثه شؤون.