ظهّر التوتر الاعلامي الذي رافق الاشتباكات الحدودية بين الجيش السوري ومسلحين من العشائر اللبنانية في الهرمل، فوضى الروايات. والإصرار على اقتياد الملفات الى الجانب السياسي، يفتح النقاش حول مخاطر انتشار المعلومات الخاطئة، وكيفية تأويل المعلومات الصحيحة بطرق تُوجّه الجمهور نحو استنتاجات مضللة.
والجدل الاعلامي الذي انسحب على منصات التواصل الاجتماعي، منذ الأحد، اتسم بخطاب تحريضي مفعم بالكراهية، وصل ببعض الصحافيين السوريين والناشطين إلى الدعوة لدخول الجيش السوري إلى لبنان.
وأفادت وكالة الأنباء السورية عبر حسابها في "إكس"، بأن "مجموعة من ميليشيا حزب الله نفّذت كميناً واختطفت ثلاثة من عناصر الجيش العربي السوري قرب سد زيتا على الحدود السورية-اللبنانية غربي حمص، قبل أن تقتادهم إلى الأراضي اللبنانية وتقوم بتصفيتهم ميدانياً".
في المقابل، نفى "حزب الله"، في بيان رسمي، "بشكل قاطع أي علاقة له بالأحداث التي وقعت على الحدود"، كما أصدر الجيش اللبناني بيانات قدّمت رواية مختلفة عن الاتهامات التي وردت من بعض الجهات السورية.
ورغم الرواية اللبنانية الرسمية، عمد بعض المغردين والصحافيين السوريين المؤثرين، خصوصاً ممن كانوا جزءاً من إعلام الثورة السورية، إلى تصعيد خطاب تحريضي بنبرة طائفية تتعارض مع أخلاقيات العمل الصحافي. وقع هؤلاء في محظور تبنّي خطاب تحريضي لا ينسجم مع معايير المهنة الصحافية وما تفرضه من التزام بالمهنية وأخلاقيات النشر.
أخلاقيات الصحافة
والحال أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل هي رسالة ذات تأثير عميق في تشكيل الرأي العام وتنمية الوعي المجتمعي، وهي مسؤولية أخلاقية تفرض الالتزام بالدقة والنزاهة والحياد. ولا يمكن للصحافة أن تتجاوز المبادئ والقيم المهنية لمجرد تحقيق أهداف سياسية أو شخصية، بل يجب أن تبقى وفية لرسالتها في تقديم المعلومات الدقيقة والموثوقة، بعيداً عن الإثارة والتهييج. من هنا، فإن نشر الأخبار الزائفة أو المضللة، سواء بدافع الأجندات الشخصية أو بدافع الخصومة السياسية، لا يسيء فقط إلى الحقيقة، بل يُضعف أيضاً ثقة الجمهور بالإعلام ويُسهم في خلق مناخ من الفوضى والمغالطات. وحسب مواثيق الشرف الإعلامي، فإن الالتزام بالموضوعية لا يعني تبرير الانتهاكات أو الممارسات الخاطئة، لكنه يعني تقديم الحقائق كما هي، بعيداً من التلاعب أو التضليل.
التضليل بين خطورة الانتشار وسوء الفهم
عند الحديث عن المعلومات المضللة، غالباً ما يتم التركيز على الأكاذيب الصريحة، لكن في الواقع، لا تكمن الخطورة فقط في انتشار المعلومات الخاطئة، بل أيضاً في كيفية تأويل المعلومات الصحيحة بطرق تُوجّه الجمهور نحو استنتاجات مضللة.
وتنص مواثيق الشرف على أن هناك خطين رئيسيين يجب تجنبهما عند التعامل مع الأخبار والمعلومات: الأول، تصديق معلومات غير دقيقة. والثاني، رفض وقائع مثبتة، بناءً على الشك المبالغ فيه. وهذا التحدي ليس جديداً. فحتى في الأبحاث العلمية، يواجه الباحثون معضلة موازنة الأخذ بالمعلومات الصحيحة من دون الوقوع في فخ القبول الأعمى أو الشك المفرط. في أوائل القرن العشرين، حذر عالم الرياضيات هنري بوانكاريه، من مخاطر الإفراط في التصديق أو التشكيك، قائلاً: "الشك في كل شيء أو الإيمان بكل شيء هما حلان سهلان بالقدر نفسه، وكلاهما يعفي الفرد من ضرورة التفكير".
في هذا السياق، يوصى بعدم التعامل مع المعلومات وكأنها إما صحيحة بالكامل أو خاطئة تماماً، بل يجب التركيز على كيفية تقييمها وفهمها ضمن إطارها الصحيح. وهذا يعني أنه بدلاً من التركيز على مكافحة الأخبار الكاذبة، يجب إعطاء الناس الأدوات الذهنية لفهم وتحليل المعلومات، من خلال كشف التحيزات الخفية في طريقة عرض المعلومات، فحتى الأخبار الحقيقية يمكن أن تُعرض بطرق تُضلل الجمهور. كما ينبغي التدقيق في المصادر والتحقق من مصداقيتها، وليس فقط بالاعتماد على مدى انتشار المعلومة، إضافة الى التوعية بأساليب التضليل الحديثة مثل اقتطاع الحقائق أو التلاعب بالسياق لتوجيه الاستنتاجات.
زعزعة الثقة
والحال أن الجهات التي تسعى إلى نشر الشك في المعلومات الصحيحة، لا تعتمد فقط على نشر الأكاذيب، بل تستخدم استراتيجيات لإضعاف الثقة العامة في المصادر الموثوقة، تماماً كما فعلت صناعة التبغ في الستينيات، عندما روجت لفكرة أن الأدلة العلمية على أضرار التدخين غير كافية، بهدف تقويض ثقة الجمهور في المعلومات العلمية الصحيحة. لذلك، فإن محاربة التضليل الإعلامي لا تعني فقط كشف الأكاذيب، بل أيضاً تعليم الناس كيفية التفكير النقدي والتمييز بين الحقائق والتفسيرات المشوهة.
بين الحقيقة والموقف السياسي
من المفهوم والمقبول أن تكون لبعض الصحافيين السوريين خصومة مع حزب الله بسبب دعمه لنظام الأسد المخلوع، لكن ذلك لا يبرر نشر معلومات زائفة، والترويج للأضاليل. فالصحافة تقوم على نقل الحقيقة قبل أن تكون تعبيراً عن موقف سياسي، وأي انحراف عن هذا المبدأ يحوّلها إلى أداة تحريض بدلاً من وسيلة لنقل الواقع بموضوعية. ومن شأن التقيد بمواثيق الشرف، ومدونات السلوك، أن يجنب الصحافيين التلاعب بالمعلومات منعاً لتشويه الوعي العام، وتجنباً لتأجيج الكراهية وتعميق الانقسامات، ما قد يفضي إلى صراعات خطيرة يدفع الجميع ثمنها.