بعد سلسلة من خمس مقالات ضمن ملف "لحظات سوريا الفارقة...قبل الأسد"، هنا حلقة سادسة عن الثورة السورية الكبرى التي لم تخمد جذوتها، إلا وقد خلّفت لمآلاتها نهاياتٍ مفتوحة، مورثة البلاد تركة ثقيلة سيكون على السوريين مواجهتها كأقدار محتومة، حتى لحظتهم هذه، ولعلّ مما يجدر بهم فعله قبل مكابدتها، فهمُها وتحليلها ومن ثمّ البناء عليها.
نمطان من الساسة السوريين ظهرا بعد سنوات الثورة، الأول: راديكاليون رفضوا الانتداب الفرنسي رفضاً جذرياً، وأصروا على مواجهة النار بالنار. أما النمط الثاني فكان خليطاً من رجال السياسة المرنين الذين لم يمانعوا التفاهم مع الفرنسيين، مع إعلاء المطالب ذاتها بالاستقلال، لكن عبر الحراك السلمي.سار النمطان بشكل متوازٍ، يؤثر كلٌ منهما في تشكّل الآخر وصقل حضوره أمام الرأي العام السوري والتاريخ. وإذ منحت الشرعية الثورية للراديكاليين مكانتهم المبجلة، ضيّقت في الوقت نفسه على البراغماتيين، وزادت من صعوبة المهمة التي اختاروها لأنفسهم ضراوة الانتداب وتجاهله لحقوق السوريين الوطنية وأوضاعهم الاقتصادية، وكل ذلك عجّل بولادة ما ستعرف بالبورجوازية الوطنية السورية التي صبغت الثلثَين الأولين من القرن العشرين بطابعها وآثارها، التي يبحث عنها السوريون اليوم في خريطة المشهد، فلا يجدون لها أثراً يُذكر.ثورة اقتصادية
أعاق النمط الاقتصادي-الأمني الذي اعتمده الفرنسيون، تطوّر الشرائح الاجتماعية وتحوّلاتها، وأسهم في تأخير ظهور بورجوازية وطنية سورية. لكن مجمل العوامل الاجتماعية والسياسية التي ساقتها الثورة السورية الكبرى، قاد خطى أولئك المتحدرين من عائلات ثرية أيام العثمانيين، ومعهم خريجو المدارس والجامعات في تركيا وأوروبا، نحو تشكيل نواة أولية ستكون بداية لثورة اقتصادية. كانت غرفة تجارة دمشق، التي تعدّ واحدة من بين أقدم غرف التجارة في العالم، قد تأسست بفرمان أصدره السلطان العثماني محمود الثاني العام 1840 على أن يلقّب رئيسها بـ"شهبندر التجار". ومع مرور الوقت وتغيّر السلطات، حافظ بعض أعضاء هذه الغرفة على عضويته فيها، فجمّع عددٌ من هؤلاء أنفسهم، وشكّلوا، في زمن الانتداب الفرنسي، جماعة "الاقتصاديين"، وكان من بينهم لطفي الحفار وعبد القادر العظم وإحسان الجابري. وضعوا تطوير الاقتصاد السوري هدفاً لهم، وتمكنوا من استقطاب داعمين من شرائح أخرى، وكان شعارهم مقولة لطفي الحفار الشهيرة آنذاك "فقراء إذا افترقنا، أغنياء إذا اجتمعنا".واتجهت جماعة "الاقتصاديين" إلى تحقيق غرضين؛ مستقبل سوريا الذي يكمن في التصنيع والاعتماد على المنتجات الزراعية، من جهة. ومن جهة ثانية، وحتى يتحقق الغرض الأول لا بدّ من دعم مالي وفير يقدّمه أثرياء البلد بتأسيس شركات مساهمة.
(دمشق 1935)بدأ الحراك الاقتصادي يتحوّل إلى ثورة، مع تزايد مطالب التجار بتوفير بيئة أفضل، وإصلاح القوانين الجمركية، وعقدوا مؤتمرين لمناقشة الأوضاع الاقتصادية، وحماية الصناعات السورية، والحد من المنتجات المستوردة بفرض رسوم عليها. وحين ضرب الكساد العالم في بدايات الثلاثينيات، وأصاب الزراعة بمقتل، تمكّن دهاة الاقتصاديين من إقناع أصحاب رؤوس الأموال باستبدال استثماراتهم الزراعية بأخرى صناعية عبر الشركات المساهمة.نجح تدبير الاقتصاديين، وظهرت الشركات المساهمة، في مجالات الصناعات الغذائية، والجلدية والغزل والنسيج والإسمنت والتبغ والمعلّبات. وأقيم "مصنع الإسمنت"، المشروع الصناعي الضخم في ضاحية دمّر الدمشقية، الذي شارك في تأسيسه العام 1930 اقتصاديون وسياسيون مثل فارس الخوري وخالد العظم، برأسمال بلغ 140 ألف ليرة تركية ذهبية وبواقع 24 ألف سهم. ونشأت "شركة الكونسروة السورية" بتمويل من توفيق القباني (والد الشاعر نزار قباني) وشكري القوتلي وصادق الغراوي برأسمال قدره 30 ألف ليرة تركية ذهبية وبواقع 15 ألف سهم، وكان يعمل في هذا المصنع 200 عامل وعاملة.ويذكر الباحث محمد علي الصالح أن العام 1934 "شهد تعداد 63 منشأة (صناعية) حديثة في دمشق، و71 منشأة أخرى في حلب. وفي نهاية العام 1936، كان قد تم انشاء أو تسجيل 7 شركات مساهمة في دمشق لوحدها". ويجزم أن "الثلاثينيات من القرن الماضي شهدت نشوء تباشير بورجوازية صناعية في سوريا. لكن البورجوازية الوطنية الناشئة يومها، لم تتعد كونها بورجوازية هجينة في مرحلة التأسيس. لم تكن تملك بعد سمات البورجوازيات الغربية التخصصية، ناهيك عن حسها الطبقي".لكن البورجوازية الغربية ذاتها، والتي يمايز الصالح بينها وبين البورجوازية السورية، بدأت بالظهور منذ القرون الأولى من النهضة الأوروبية، إلا أنها لن تتحول إلى طبقة اجتماعية محددة بمواصفات دقيقة إلا مع بدء الثورة الصناعية في القرن الـثامن عشر. ولعلّ القارئ لاحظ أن المقبلين على النشاط الاقتصادي تتكرّر أسماؤهم في الحقل السياسي، وتحديداً في نطاق الكتلة الوطنية السورية. كان للدمج ما بين الاقتصادي والسياسي أثرٌ كبير في توجيه المشاريع التي أقامها هؤلاء، خدمة للمصلحة العامة. ويبرز على سبيل المثال مشروع "شركة مياه عين الفيجة" الذي دُشن العام 1932 بعدما كان سكان دمشق يعانون أزمة توفر مياه شرب نقية، ويضطرون إلى الشرب من مياه نهر بردى التي كانت ملوثة في كثير من الأحيان.
بعد دراسات وتنفيذ لمدة 10 سنوات، أطلق لطفي الحفار فكرة لجرّ مياه نبع الفيجة إلى مدينة دمشق، فواجه المشروع تهديداً من رؤوس الأموال الفرنسية التي رغبت في الاستيلاء عليه، لولا دعوة الحفار لوجهاء دمشق لتأسيس شركة مساهمة وطنية أهلية لتحمّل كلفته التي بلغت 150 ألف ليرة تركية ذهبية. وكان للاستشارة القانونية التي قدّمها فارس الخوري، الدور الكبير في الدمج ما بين ملكية المشروع لبلدية دمشق وبين كونه شركة يشتري الأهالي أسهماً منها.وفي مشاريع النقل، مكّن استيراد الاقتصاديين السوريين لأعداد متزايدة من السيارات وعربات النقل، من كسر احتكار شركة "نيرن" البريطانية التي كانت مهيمنة على النقل البري بين دمشق وبغداد، بالإضافة إلى كسر احتكار "شركة دمشق - حماة للخطوط الحديدية" الفرنسية، وبأموال سورية تم تأسيس "شركة حمص وحماة للكهرباء" ومدّ الكهرباء إلى مدينة حماة.غير أن سياسات الانتداب الاقتصادية-الأمنية، أسهمت بسرعة، في مواجهة البورجوازية الوطنية السورية لحقيقة أن استقلال سوريا بات ضرورة، لا سياسية وحسب، بل اقتصادية أيضاً. فدفعت هذه النظرة المستجدة بالاقتصاديين منذ منتصف الثلاثينيات إلى تغيير أولوياتهم، وزيادة انخراطهم في الحراك السياسي، من خلال عضويتهم في الكتلة الوطنية. لكن حين وصلنا إلى العام 1935 كان قد أصبح في سوريا بورجوازية مرئية تقودها الكتلة الوطنية، تطرح مشاريعها ومطاليبها التي سوف يجسّدها "ميثاق وطني" سيولد في حفلة تأبين خيّم عليها الحزن.ظلال الطير الحر
كان الشعور الوطني قد أخذ يتنامى لدى النخب الاجتماعية والاقتصادية السورية. والإحساس بضرورة العمل على بناء دولة وطنية متحررة مستقلة، صار دافعاً رئيساً استطاع تفجير الثورتين العربية والسورية الكبرى، ما شجّع تلك النخب على رفض الانتداب الفرنسي، كما يرى إدمون رباط في كتابه "تطور سورية في ظل الانتداب الفرنسي" الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة 2020 بترجمة سليمان رياشي. إلا أن أحداثاً معينّة لعبت دورا محورياً وأسهمت في تشكّل البورجوازية الوطنية السورية. في خريف 1935 مات إبراهيم هنانو، وكان قد لُقّب في سنوات الثورة بـ"الطير الحر" كونه من أشرس المحاربين من أجل الاستقلال، وخاض حربه في الميدان وأمام المحكمة الفرنسية وفي أروقة العمل السياسي. ويتحدّر هنانو، الذي يبدو كنموذج أيقوني لرجال السياسة في زمنه، من أسرة ثرية، درس في المدرسة الملكية للحقوق والإدارة في إسطنبول، وعُين مديراً لناحية من ضواحي إسطنبول، ثم شغل منصب قائمقام أرضروم، وقاضياً في كفر تخاريم، حتى انتهى به الحال عضواً في مجلس إدارة حلب لمدة أربع سنوات، قبل أن يصبح رئيساً لديوان ولاية حلب العام 1918، وقد انتُخب ممثلاً لمدينة حلب في المؤتمر السوري الأول. وحين سمع نداء الثورة، جمع هنانو أثاث بيته وأحرقه أمام أنصاره قائلاً لهم "لا أريد أثاثاً في بلد مستعمَر".
(قيادات الكتلة الوطنية)
كان هنانو القائد الأعلى لأربع ثورات في المناطق الشمالية الثائرة، قسّمها بنفسه: منطقة القصير بقيادة الشيخ يوسف السعدون، كفر تخاريم بقيادة نجيب عويد، جبل الزاوية بقيادة مصطفى الحاج حسين، وجبل صهيون بقيادة عمر البيطار.اهتم السوريون بهنانو ودوره في الثورة، ولم يقتصر انتشار أخباره على الساحة المحلية، بل تجاوزها إلى العالمية. وعن ذلك، يروي المؤرخ اللبناني يوسف إبراهيم يزبك، الذي كان أوّل من درّس تاريخ الصحافة في كليّة الإعلام في الجامعة اللبنانيّة، في كتابه "أول نوار ـ ذكريات وتاريخ نصوص" الصادر عن دار الفارابي ببيروت 1974، فيقول: "أخبرني الزعيم إبراهيم هنانو أن لينين أوفد إليه ضابطاً من القفقاس عرف هنانو قبل بضع سنوات وعمل معه في خدمة الحكومة العثمانية في ولاية حلب، وكان الضابط يحمل رسالة مكتوبة بالتركية يعرض فيها مساعدة الثورة السورية التي حمل سلاحها إبراهيم هنانو وإخوانه فلاحو جبل سمعان على الاحتلال الفرنسي بعد نكبة ميسلون".وفي سياق استراتيجياتهم لتطويق الثورة التي كانت قد أخذت تتّقد بسرعة، طلب الفرنسيون من هنانو الهدنة والتفاوض، فالتقاهم في قرية نحلة يوم الجمعة 17 نيسان/أبريل 1921. وعرض عليه ممثلو الانتداب في ذلك اللقاء تسليمه رئاسة حكومة محلية في أقضية حارم وإدلب وجسر الشغور، مقابل إعلانه أن الثورة قد انتهت والبدء بجمع السلاح وتسليمه. رد هنانو على العرض بالرفض، وقال للفرنسيين "إن من موجبات نقمة السوريين على سياستكم الاستعمارية إقامة هذه الدويلات، فهل أرضى لنفسي رئاسة دولة أحاربكم من أجل تمزيق البلاد إلى دويلات مثلها؟".
(مبنى مؤسسة مياه عين الفيجة)غضب الفرنسيون لعدم استجابة هنانو وسارعوا إلى إحراق الأرض بالطائرات وباجتياح جبل الزاوية. وكي ينقذ الثورة، كتب هنانو إلى عبدالله بن الحسين في شرق الأردن، واتفق معه على زيارته، وفي الطريق من حلب نحو الجنوب، حاول الفرنسيون منعه، فاشتبك معهم في معركة ضارية وتمكّن من مواصة رحلته، وحيداً عبر البادية السورية، إلى جبل الدروز، ثم إلى عمّان، وحين لم يجد ما كان ينتظره من عبدالله بن الحسين، غادر إلى القدس، حيث اعتقله البريطانيون وسلّموه للانتداب الفرنسي الذي ساقه إلى السجن في حلب.جرت محاكمة هنانو بصورة علنية، أراد الفرنسيون من خلالها ابتداع نهج يطمئن الساسة السوريين إلى أن هناك سبيلاً آخر غير الثورة، وغير المنفى الذي سيختاره زعماء مثل فخري البارودي وسلطان الأطرش وعبد الرحمن الشهبندر. وجرت وقائع المحاكمة باللغة الفرنسية، وقال محاميه فتح الله الصقال، الذي اختاره له النائب العام الفرنسي بنفسه، مخاطباً هيئة المحكمة: "هل لكم الصفة التي تخولكم حق محاكمة هنانو؟ لا تجوز لكم محاكمته بحسب قانونكم، فما سُنّت القوانين إلا لتُطبّق، وقانونكم لا يعطي المحاكم العسكرية الحق في النظر في هذه القضية (السياسية)". وُجّهت سبع تهم إلى هنانو الذي قال للمحكمة "إنني متّهم سياسي فقط، ولو كنت مجرماً عادياً لما فاوضني ممثلكم الجنرال غورو بشأن عقد هدنة ومبادلة الأسرى". كما استمعت المحكمة إلى شهود الدفاع الذين كان منهم سعد الله الجابري، والشيخ كامل الغزي وآخرون. وفي اليوم السابع من المحاكمة، طلب الرئيس من النائب العام الفرنسي أن يبدي مطالعته، فدامت مطالعته ثلاث ساعات ختمها بالقول "لو كان لإبراهيم هنانو سبعة رؤوس بعدد جرائمه السبعة لطلبت إعدام رؤوسه السبعة، لكنه لا يملك إلا رأساً واحداً".وقال المحامي صقال في مرافعته "إن هنانو قام بثورته مدفوعاً بعاطفة وطنية نبيلة تماثل العاطفة التي هزت فرنسا من أقصاها إلى أقصاها حينما احتلت ألمانيا العام 1914 بعض البلاد الفرنسية، فأبى الفرنسيون أن تداس أرض الوطن، وهبّوا يقاتلون ويستبسلون في الكفاح، حتى خرجت فرنسا من حومة النضال منتصرة ظافرة بعدما ضحّت بمليونين من شبابها، وبعدما أمسى الكثير من مدنها الزاهرة أطلالاً دوارس. إن الوطنية ليست وقفاً على فرنسا وأبنائها، وإنما هي عاطفة طبيعية متغلغلة في أعماق النفوس، تشعر بها كل أمة من أمم الأرض ومنها الأمة السورية". وفي مشهد استعراضي مثقل بالرمزيات، أعلن رئيس المحكمة براءة هنانو من كل التهم المنسوبة إليه.
لكن ما الذي فعله هذا الحكم بالطبقة السياسية التي كانت تعارض الانتداب الفرنسي؟ سيتضح لاحقاً أن الحكم ببراءة هنانو استدرج الزعامات لوضع أيديهم في أيدي الفرنسيين والتعامل بما اعتبروه، آنذاك، واقعية سياسية. وكان هنانو في مقدمة القادة السياسيين الذين انخرطوا في الحياة السياسية تحت المظلة الفرنسية.تركت سنوات الثورة والحرب آثارها في جسد هنانو، فعشش فيه مرض السل الذي هزمه في نهاية المطاف. وبعد 40 يوماً من رحيله والصلاة عليه في الجامع الأموي بحلب، أقامت الكتلة الوطنية حفلة تأبين على مدرّج الجامعة السورية في دمشق، واستثمرت ظلال هنانو، من جديد، لإطلاق ما عرف بـ"الميثاق الوطني" الذي قرأه على الحاضرين فارس الخوري.صراع في البرلمان
نصّ الميثاق الوطني الذي أعلنته الكتلة الوطنية على تحرير البلاد المنفصلة عن الدولة العثمانية من كل سلطة أجنبية، ورفض تجزئتها وجمع أراضيها في دولة واحدة ذات حكومة واحدة، ورفض وعد بلفور ومقاومة مشروع الوطن القومي الصهيوني. كما تضمن الميثاق تأييد الحرية والمساواة، معتبراً أن تشكيل أحزاب سياسية في هذه المرحلة مضر ومخالف لوحدة الجهود. ولم تكن في المجلس النيابي السوري المنتخب، حينها، أحزاب برلمانية بالمعنى الدقيق للكلمة، بل كان هناك سبعة من أعضاء الكتلة الوطنية، يناصرهم عشرة آخرون، مقابل 51 نائباً كانوا من مؤيدي السلطة الفرنسية والحكومة المتعاونة معها. وكانت هناك كتلة الشمال بقيادة صبحي بركات وحزبه "الحزب الحر الدستوري"، توازيها كتلة الجنوب بقيادة حقي العظم وحزبه "الائتلاف"."الحزب الحر الدستوري" أعلن غايات تأسيسه التي كانت من بينها حكومة دستورية، وتحويل الانتداب الفرنسي إلى معاهدة تحالف بين فرنسا وسوريا تضمن حماية الأقليات، وإعادة وحدة سوريا، وتأسيس جيش سوري يمكّن من التخلص من قطعات الفرنسيين بالتدريج. أما "الائتلاف" فأهدافه كانت مطابقة لأهداف "الحزب الحر الدستوري"، وكان الصراع بين الحزبين منحصراً في الظفر بمنصب رئيس البرلمان الذي ذهب لصالح بركات، ومنصب رئيس الجمهورية الذي تقلّده محمد علي بك العابد، وقد دعمت الأخير الكتلة الوطنية التي شاركت في الحكومة حينها بجميل مردم بك ومظهر رسلان. ومع ذلك فقد كانت الكتلة متشككة، بسبب محاولات الاغتيال المتكرّرة التي طاولت هنانو، ولذلك طالب هاشم الأتاسي باسم الكتلة بضرورة عقد معاهدة مع الفرنسيين.في 18 نيسان/أبريل1933، انسحب الوزيران مردم بك ورسلان، بعدما اكتشفت الكتلة الوطنية أن الفرنسيين والحكومة الموالية لها يعدّون معاهدة تكرّس تجزيء سوريا وتلزم الشعب بذلك. وأعلن الأتاسي وهنانو قطع سياسة التعاون إلى أن تبدي فرنسا جدية حيال مطالب السوريين. كما رفضت مشروع المعاهدة المقدّم إلى البرلمان، وحضر نوابها الجلسة المخصصة لمناقشته بغرض إسقاطه. وقدّم مردم بك بياناً وقّعه 46 نائباً، وهم الغالبية المطلقة اللازمة لرفض المعاهدة، وفقاً لمحمد حرب فرزات في كتابه "الحياة الحزبية في سوريا" الذي أصدرته دار الرواد. وفي تلك الأجواء المضطربة تم حلّ الحكومة وجرى تشكيل حكومة الشيخ تاج الدين الحسني الثانية في 18 آذار/مارس 1934. كان مطلب الكتلة الوطنية التوصّل إلى "معاهدة شريفة" بين فرنسا وسوريا، تضمن الاعتراف بسياسة البلاد واستقلالها، وتحدّ من الهجرة إلى سوريا، وتعلن العفو العام عن السياسيين في الداخل وفي المنفى، ويتم على أساسها تشكيل جيش وطني، وإعادة الأوقاف إلى المسلمين، وإلغاء القرارات المقيّدة للحريات، إلى جانب صيانة القضاء وإنهاء الديون العامة ونشر التعليم وإدخال سوريا في عصبة الأمم.التحوّل إلى الثورة الفكرية
تغيّرت قواعد اللعبة بعد إيقاف سياسة التعاون مع الفرنسيين، واتجهت قيادات الكتلة الوطنية إلى العمل بشكل مباشر مع الشارع السوري، وكان أبرز وجوه الكتلة آنذاك الزعيم الوطني فخري البارودي، الذي بدأ بطرح المشاريع والأفكار الخلاقة، وأوّلها "المكتب العربي للدعاية والنشر" الذي أنشأه في العام 1934 وكان بمثابة "مركز للدراسات والأبحاث". وانطلق المركز الذي حمل اسم "مكتب البارودي للدعاية والنشر" بعدما استأجر مؤسّسه قسماً من مكتب الكتلة الوطنية في حي القنوات ليكون مقراً للمكتب العربي. ومن هناك أعلن البارودي انطلاق ما سمّاها "الثورة الفكرية في سوريا"، لإعلاء قيم العروبة ورفض تقسيم البلدان العربية، ورفض الطائفية والعشائرية. واشترى من ماله الخاص مطبعة لطباعة إنتاج الدار من البحوث والدراسات والأخبار، وكان ذلك الإنتاج يوزّع مجاناً على الصحف العربية والجوامع والكنائس المسيحية والكنُس اليهودية. رفد البارودي المكتب العربي بفريق من المصورّين لتوثيق العمل الفكري بالصور الفوتوغرافية، وكانت الصور ترد إلى المكتب من مراسلي البارودي، ليحوّلها، مجاناً أيضاً، إلى صحف العالم في أميركا وأوروبا. وكان حريصاً على إنشاء قسم للخرائط الطبوغرافية السورية عبر مختلف المراحل السياسية المعاصرة، إلى جوار قسم خاص بفلسطين. وكانت على رأس أولويات المكتب العربي، المناداة بحق العرب في تقرير مصيرهم، وفضح المجازر الصهيونية في فلسطين، والمطالبة باسترداد لواء إسكندرون. وممّن عملوا مع البارودي في مكتبه ذاك، ناظم القدسي، إدمون رباط، منير الريّس، قسطنطين زريق، وأكرم زعيتر وآخرون سيشغل معظمهم مواقع مهمة في المستقبل.من جانب آخر يعدّ مكتب البارودي أولَ مكتب توظيف عربي من نوعه، فقد اهتمّ بتوجيه الدعوة مع نهاية كل عام دراسي لخريجي جامعة دمشق. وفي الوقت ذاته كان يدعو أصدقاءه من التجار والصناعيين، ويَطلب من الخريجين وضع وردة في عروة المعطف، في تقليد يشير إلى أن حاملها إنما يبحث عن عمل. فكان التجار يجدون في مكتب البارودي ضالتهم من الكفاءات الجديدة، وفي المقابل يعثر الشباب على فرصهم. وقُسّم نشاط المكتب العربي إلى لجان ثلاث. لجنة ثقافية: حقولها الفنون والتمثيل وتشجيع المواهب الشابة والرياضة والغناء والعزف. لجنة سياسية: تصب اهتمامها على شؤون الحكم والدستور والحياة الحزبية والنيابية. ولجنة اقتصادية: مهمتها إعداد دراسات حول الصناعة والتجارة والنقل والجمارك.ولأن ربط المجتمع بالقضايا الكبرى مهمةٌ تكاد تكون مستحيلة، إن لم يُحسن قادة الرأي العام اختيار مفاتيح بوسعها أن تقنع الناس بما تتحمّل النخبة ثقله من هموم سياسية واجتماعية واقتصادية، لا يعود أمام تلك النخبة سوى أن تبتكر لتجعل عموم الناس يُقبلون عليها راضين، بل متحمّسين إلى ما تدعوهم إليه، وهو ما فعله البارودي عبر "مشروع الفرنك". فطلب البارودي من كل مواطن سوري التبرع بفرنك سوري واحد شهرياً، أي "خمسة قروش" لمصلحة النفع العام، ولدعم المشروعات المتعثرة وترميم المباني والمنشآت التي لا تسمح أوضاعها بانتظار البرامج التنفيذية للحكومة، وكذلك للترويج للقضية العربية ودعمها. وقد رفض قبول التبرعات التي تزيد عن "فرنك" واحد، وكان يقول إن "هذا المشروع من الفقراء يبدأ وإلى الفقراء يعود". وكان البارودي جريئاً في اتخاذ قرار بالإعلان عن المشروع بنفسه، وما زالت صورته في الصحف، وهو يحمل مجسماً ضخماً لـ"فرنك سوري"، متداولة بين السوريين إلى زمننا هذا. وكان يحلم بإنشاء "صندوق قومي عربي" من التبرعات الطوعية التي يقدّمها البسطاء، لكن الفرنسيين منعوه من إتمام مشروعه.البورجوازية وقوّة الشارع
بعد تصاعد ردود الأفعال وتزايد الغضب الشعبي على "الميثاق الوطني"، واكتشاف قيادات الكتلة الوطنية لأهمية استخدام أدوات الاحتجاج الأهلي، استغل البارودي قراراً صدر برفع أجرة تذكرة الترامواي في دمشق بمقدار نصف قرش، لإذكاء شعلة الإضراب في الشارع. فشكّل لجنة وطنية برئاسته للاحتجاج على هذا الإجراء ومقاطعة شركة الجرّ والتنوير البلجيكية، وهي ذاتها شركة كهرباء دمشق في ذلك الوقت.بدأ الإضراب في دمشق في 10 كانون الثاني/يناير1936، وأغلقت المحال والمعامل أبوابها، وبات هذا الإضراب يعرف بـ "الإضراب الخمسيني" لأنه استمر خمسين يوماً. وفي صبيحة يوم 19 من كانون الثاني/يناير، هاجمت قوة شرطية قوامها 30 عنصراً على رأسها مفتّشان فرنسيان، مكتب الكتلة الوطنية في حي القنوات، محتلة المداخل والمخارج المؤدية إليه. وكان في المقر هاشم الأتاسي وفخري البارودي. وقامت القوة بختم المكتب بالشمع الأحمر، بناءً على دعوى مقامة من "مجهول" وتم ضبط ما فيه من أدوات عُدّت "مشبوهة"، وكانت التهمة هي "تأليف جمعيات غير مأذون بها". على إثر إغلاق المكتب، اجتمع البارودي في مساء اليوم ذاته، في فندق "أوريان بالاس" بساحة الحجاز مع شفيق جبري وبعض أعضاء الكتلة الوطنية، وأطلعهم على بيان كتبه ووزّعه في دمشق ضد شركة التنوير والجرّ، وضد الاحتلال الفرنسي. وبينما هم جالسون، دخل إلى الفندق مفتش الشرطة، المسيو كران، وطلب من البارودي مرافقته، لأن مُستنطق المحاكم الأجنبية، حسبما قال، يريد أخذ إفادته واستجوابه، فنهض البارودي ورافقه ماشياً من الفندق حتى مديرية الشرطة. ومن هناك قام الفرنسيون بنفيه إلى مدينة الحسكة، كما يروي البارودي في كتابه "تاريخ يتكلّم" الصادر عن مطابع ابن زيدون بدمشق العام 1960.
(الجيش الفرنسي في سوريا)استجابت دمشق لدعوة البارودي للإضراب، وغضب أهلها لاعتقاله ونفيه، واندفعت المظاهراتفي الشوارع تهتف باسمه. واتجه المواطنون إلى منزله في القنوات مطالبين الفرنسيين بإطلاق سراحه. حينها ألقت فيهم شقيقته سنية البارودي، خطاباً قالت فيه "إن شقيقي فخري هو ابن الشعب، وهو لن يتأخر عن إراقة آخر قطرة من دمه في سبيل وطنه. فليقاسِ أخي ضروب الشقاء وأنواع العذاب، فهي كلّها هينة ما دامت من أجل الوطن وفي سبيله". غير أن الفرنسيين استمروا في حملاتهم واعتقلوا أكثر من 150 قيادياً من كبار السياسيين والأعيان، وفصلوا الطلاب الذين شاركوا في المظاهرات من جامعة دمشق، وطردوا من مدرسة التجهيز (الثانوية) عدداً كبيراً من الطلاب.وبالنظر إلى تأثير البورجوازية في الطبقات كافة، نلحظ انضمام شرائح مجتمعية أخرى لم يكن من المتوقع رؤيتها بين المتظاهرين، على رأسها نساء دمشق اللواتي خرجن في تشييع من قتلوا في المواجهات مع الفرنسيين، ونظّمن أيضاً مظاهرة نسوية كبيرة في بوابة الصالحية قوبلت بقمع شديد من قبل القوات الفرنسية. على إثر ذلك، شكّلت نساء دمشق لجاناً لتقديم المساعدات وجمع التبرعات للمحتاجين والجرحى. ويقصّ البارودي كيف أن ذلك الإضراب شارك فيه حتى الخارجون على القانون، إذ أرسلوا مندوباً عنهم يُدعى "شيخ الحرامية"، وهو لصٌّ قديم في هذا الكار، طلب مقابلة البارودي، باعتباره كما قال "شيخ الوطنيين"، وعاهده بأن المَحَالّ لو فُتحت وتُركت سائبة، خلال الإضراب، فلن يضيع منها شيء، وأن من يسميهم الفرنسيون "لصوصاً" سيحمونها. تحت ضغط الإضراب والمظاهرات، كادت الأوضاع تفلت من سيطرة الفرنسيين في دمشق، فطلبوا التفاوض مع زعماء الحركة السياسية السورية للاتفاق على حلٍّ ينهي الفوضى. فالتقوا في بيروت، في 28 من شباط/فبراير1936، مع هاشم الأتاسي وسعد الله الجابري وقادة آخرين للكتلة الوطنية السورية، ومثّل الجانب الفرنسي المفوض السامي الكونت دامين دو مارتيل، الذي كان قد أقال حكومة الشيخ تاج الدين الحسني قبل أربعة أيام فقط، وعيّن محلها وزارة انتقالية حيادية برئاسة عطا الأيوبي.
(معمل الاسمنت)بعد أيام من المفاوضات، أعلن الأتاسي أن القضية السورية "دخلت في طور جديد بفضل جهود الشعب النبيل ومثابرته في سبيل حقوقه الطبيعية التي كانت منكرة عليه. وقد وافق الجانب الفرنسي بوثيقة موقعة منه على تنفيذ خمسة أمور جوهرية لم يكن يقرّها قبل هذه المحادثات، وهي أولاً: الموافقة على أن لا تقل حقوق السوريين في المعاهدة العتيدة عن حقوق إخوانهم العراقيين في معاهدتهم الأخيرة مع بريطانيا. ثانياً: تصريح الجانب الفرنسي بأنه ليس له مصلحة ما في تجزئة البلاد السورية. ثالثاً: الموافقة على نقل ساحة العمل إلى العاصمة الفرنسية بواسطة وفد من المواطنين يتولّى البحث مع المراجع العليا في باريس. رابعاً: إعادة الحياة النيابية الحرة بأسرع ما يمكن على أساس الانتخاب الشعبي. وخامساً: الإلغاء، في الحال، لجميع الأحداث التي ولدتها الحالة الحاضرة في البلاد السورية كافة منذ 18 كانون الأول/ديسمبر الماضي أي سنة 1935 إلى الآن، من عفو عن المحكوم عليهم، وإعادة حرية المعتقلين، وإطلاق سراح الموقوفين، وإلغاء التدابير الإدارية المتخذة، ولكي يتمكن الوفد من أداء المهمة الشاقة التي تودع إليه نرجو من الأمة النبيلة أن تيسر له جواً هادئاً فتعود إلى أعمالها بعد عيد الأضحى 1936 الذي نرجو أن يكون فاتحة خير على هذه البلاد".بهذا الإعلان حقّقت البورجوازية السورية ومعها المُضربون والمتظاهرون، الأغراض المعلنة كاملة، وأعادت المطالب السياسية إلى الواجهة. وأُطلق سراح البارودي وكافة المعتقلين. وكتب خالد العظم بعد سنوات في مذكراته التي أصدرتها الدار المتحدة للنشر ببيروت العام 1973 يقول: "اعتقلت سلطات الانتداب بعض الزعماء الوطنيين أمثال فخري البارودي ونسيب البكري وأبعدوهم إلى الجزيرة، فلما هدأت الحال وسمح لهم بالعودة إلى دمشق، كان لفخري البارودي استقبالٌ ضخم لا يقل عن استقبال دمشق للأمير فيصل، إذ سارت الجموع من بلدة دوما إلى دمشق، والبارودي محمولٌ على الأكتاف يحيي الجماهير ويخطب بهم"، بعدما بقي الناس ثلاثة أيام في الطرق، في انتظار وصوله، حسب مشاهدة المحامي الراحل نجاة قصاب حسن في كتابه "جيل الشجاعة ـ حتى العام 1945" المنشور بدمشق في مطبعة ألف باء.وفي يوم 8 من آذار/مارس 1936 خطب البارودي طالباً من الشعب إنهاء الإضراب وعودة الطلاب إلى مدارسهم وجامعاتهم والتجار إلى محلاتهم. فطويت صفحة الإضراب الذي قال عنه البارودي "إن مثل هذا الإضراب أفضل من الثورة السورية التي كلّفتنا الكثير من الضحايا والشهداء"، وعندما بلغ كلامه مسمع فارس الخوري قال للبارودي متهكّماً "زيدوا مظاهرة كبرى علّكم تعيدوا لواء إسكندرون"!ويمكن، دونما تردّد، تتبع مفارقات نمو وتطور البورجوازية السورية، كطبقة، في ما يلفت النظر إليه تفريق كارل ماركس بين مصطلحي "الطبقة في ذاتها" و"الطبقة من أجل ذاتها". فالطبقة في ذاتها هي مجموعة اجتماعية لديها علاقات إنتاج مع وسائل الإنتاج. وهذا توافر للبورجوازية الوطنية السورية الناشئة في العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين. أما الطبقة من أجل ذاتها، فهي منظومة طبقية تدرك وتعي مصالحها وتنتج ظواهر وأفكاراً ومؤسسات سياسية وثقافية ودستورية وتشريعية لحماية تلك المصالح. فهل كانت البورجوازية الوطنية السورية منظومة تعي مصالحها؟ وهل تمكّنت من إنتاج أفكار ومؤسسات لحماية مصالحها؟ وهل استطاع السوريون قراءتها وتفكيكها كظاهرة ومن ثمّ تحليل مسارها واستخلاص ما يلزمهم منها؟الواقع هو من سيجيب، دون تأخير، عن تلك الأسئلة، خصوصاً بعد ظهور النتائج الأولى لفاعلية البورجوازية الوطنية السورية، والبدء بمفاوضات باريس بهدف التوصّل إلى معاهدة لاستقلال سوريا. ذلك الاستقلال الذي ما زال كثيرون يشكّكون في تحقّقه حتى هذه اللحظة.(*) يتبع: بين ربيع دمشق وخريف باريس… حين تواطأ السوريون على سوريا