يوم أمس الاثنين بقي أهالي مدينة "الدريكيش" الخائفون في بيوتهم، وكانوا قد عاشوا ليلة رعب تسبب بها إطلاق كثيف جداً للرصاص في الهواء، وهتافات من قبيل: جيش السُنّة بالساحة.. وين كلاب القرداحة؟ استعراض القوة قام به فصيل مسلّح وافد إلى المدينة، ولم تكن هناك أحداث أمنية قبل مجيئه، ولا توجد أخبار (حتى كتابة هذه السطور) عن ضحايا بين المدنيين الذين كانوا لحسن الحظ في بيوتهم، إذ حدث الاستعراض بعد منتصف الليل.ما حدث في الدريكيش ليس الأول من نوعه، ولا هو معزول عمّا حوله. فمنذ التمرد الذي قام به بعض من شبيحة العهد البائد، وما رافق قمعه وتلاه من مجازر طائفية، لم تعد الحياة إلى طبيعتها في الساحل والجبال الساحلية. هناك استعراضات مشابهة للقوة تحدث هنا وهناك. وحسب الأقاويل، خلّف بعضها عدداً من القتلى الجدد، وثمة أنباء عن فصائل تتهيأ لاقتحامات هنا وهناك، ما يُبقي المدنيين في حالة ذعر دائمة.
الحديث هو أيضاً عن مدنيين محاصرين في الكثير من الحالات، حيث هناك حواجز تحيط بأحياء أو قرى يقطنها علويون، ويخشى معظمهم مغادرة المكان، ولو تحت ضغط الحاجة إلى الغذاء أو الاستشفاء. ثمة أخبار عن سلوك مشين لبعض الحواجز، لجهة منع المساعدات الغذائية من الوصول إلى بعض الأحياء، ولجهة تقاضي مبالغ مالية لقاء السماح بالخروج والإفلات من الحصار.إجمالاً، يصحّ الحديث عن مناخ من انعدام الثقة، ما يتكفّل أحياناً برواج شائعات غير صحيحة، وبدورها تشكّل الشائعات الخاطئة غطاءً ممتازاً لأولئك الذين يريدون ارتكاب المزيد من الانتهاكات، والتنصّل منها بزعم وجود الكثير من الأخبار الكاذبة، وبالتشكيك بشهادات المتضررين الحقيقيين. هذا الجدل حول صحة الأخبار يحدث في السوشيال ميديا، حيث لم تعد وسائل التواصل منفىً لقسم من السوريين كما كانت أيام الأسد، بل صارت هي الموطن بعد سقوطه، في غياب صارخ لوسائل الإعلام المحلية الموثوقة، وغياب للقضاء الذي لا حضور له على الإطلاق كرادع لمن يهدد السلم أو السلم الأهلي.
فعلياً، تم احتواء تمرد الفلول خلال ساعات من يوم السادس من هذا الشهر، وصار واضحاً أن تحركّهم أقل من أن يكون انقلاباً، حتى إذا تغاضينا عن أن الانقلاب يكون في دمشق لا في الساحل. وهو أقل من أن يكون حركة انفصالية، إذ لا يملك هؤلاء قوة كافية للتمترس في الساحل والدفاع عن أنفسهم، ولا يملكون غطاء دولياً مؤثّراً، وليس لديهم في الأصل حيثية شعبية. أي أن استنفار أنصار العصبية السُنيّة، وكأن السلطة التي "استعادوها" مهدَّدة، هو استنفار فقدَ مبرراته بعد اليوم الأول من الأحداث، إذا تجاهلنا أنه في الأصل أكبر بكثير من أن يكون مجرد ردّ فعل.معنوياً، ساهم هؤلاء في المجازر، فإنكارهم حدوثها منذ اليوم الأول من المحتمل جداً أن يكون قد شجّع المرتكبين على الاستمرار فيها لأيام إضافية. وعندما بات الأمر مفضوحاً، إلى حد الدفع بتشكيل لجنة تحقيق حكومية، بدأت لعبة التشكيك في الأرقام ومن ثمّ مقارنتها بحصيلة المجازر التي ارتكبها الأسد، وكأن ميزان العدالة يزِنُ الجرائم بالكيلو أو بالأرقام! التشكيك بالأرقام هو نوع آخر من الإنكار؛ إنه إنكار مزدوج؛ للقتلى وللناجين، حيث يشهد الناجي ما سيلقاه في حال لم تخطئه الرصاصة في المستقبل.
ما حدث من السادس من هذا الشهر لا يتوقف على أعمال القتل، فقد رافقت الأخيرة انتهاكات أوسع نطاقاً على صعيد مصادرة الممتلكات والأموال، وأجهزة الموبايل بزعم منع التصوير. أثرُ الاستباحةِ ملموس في الحاجة الماسّة إلى الغذاء والدواء، وفي الأيام الأخيرة ذهبت تبرعات من مناطق الإدارة الذاتية الكردية ومن درعا لمنكوبي الساحل، بالإضافة إلى الفرق الإغاثية العاملة هناك بإمكانياتها المتواضعة. واحد من وجوه الإنكار أن تُذكر التبرعات من دون تسليط الضوء على معاناة الضحايا، ومن دون إشارة إلى الذين تسببوا بها، بل إن فداحة الإنكار كانت فاقعة لدى الذين أشادوا بتبرعات درعا على أنها تبرعات سُنية، من دون أية إشارة إلى الضحية التي يُستنتج أنها من وجهة نظرهم لا تستحق هذا الكرم.السُعار الطائفي الموظَّف يضع في الواجهة مسؤولية العلويين عن المجازر التي ارتكبها الأسد، ويبرر ضمناً أعمال الثأر التي تستهدفهم، وهذه لها توصيف قانوني يجدر بالمحرِّضين الاطلاع عليه. هذا السعار يتجاهل هروب عشرات الآلاف من رؤوس إجرام الأسد في الأيام الثلاثة الأخيرة لمسلسل سقوطه، وبقاء الحدود لأسابيع بعد سقوطه في حالة تسيّب تسمح بفرار المزيد منهم. والتأخير في فتح ملف العدالة الانتقالية هو أفضل خدمة للمجرمين الذين ينوون الفرار، لكنه أيضاً أفضل استثمار لمن يريدون تجريم العلويين جميعاً، والحق أن التأخير يؤدي الخدمة المزدوجة تماماً.
واحد من مبررات السُعار الذي اشتدّ مع مجازر الساحل ذلك التخوّف من تدخّل دولي لدعم العلويين، التخوّف الذي يتغذّى من تصريحات غربية متكررة حول حماية الأقليات. على هذا، احتفى أصحابه أكثر من المعتاد بزيارة وزيرة الخارجية الألمانية إلى دمشق بعد المجازر، ولا تخفى الشماتة التي رافقت حفاوة البعض. مبرر آخر للسُعار برز في ترويج رواية في اليوم الأول للأحداث عن نجدة ستذهب إلى الفلول من قسد ومن السويداء، وسرعان ما تبيّن عدم صحتها وعدم صحة التخوّف والتخويف بتحالف الأقليات.في الواقع، هناك اليوم "أقليتان" خارج سيطرة دمشق، هما الأكراد والدروز، وهذا هو وضعهما بالنسبة للمركز قبل تسلم السلطة الجديدة. أما فيما تبقى من البلد فلا جديد أيضاً؛ الأقليات مصطفة إلى جانب السلطة أو صامتة، وبما يكفي للقول عن معظمها إنها تبني علاقتها بواقعية (وبلا مطالب سياسية) مع الموجود في الحكم، بغضّ النظر عمّن يكون. ومطالب الغرب نفسه، فيما يخص حماية الأقليات، لا جديد فيها عن أيام الأسد ولا تصعيد، والخلاصة التي يدركها العلويون أنهم غير محميين بتحالف أقلوي داخلي أو بموجب أولويات قوى دولية. أي أن الكرة صارت في ملعب المحتفلين ضمناً بصمت الغرب الأخير على المجازر كي يطمئنوا إلى سلطتهم، ويتخلّصوا من الندب بدعوى المؤامرة الدولية لصالح الأقليات.
بما يذكّر بعبارات أسدية ماثلة في الذاكرة، كتب بعض مرتكبو مجازر الساحل عبارات على الجدران تتوعد الأهالي بالعودة للبطش بهم ثانية. طلاء الجدران لن يكون كافياً لمحو الوعيد من نفوس المهدَّدين به، ومما تسببت به المجازر الأخيرة أنها بددت كلياً منسوب الاطمئنان الذي بلغ أقصاه مع سقوط الأسد على النحو الذي شهدناه. يستحق وقفة مفصّلة ذلك الاطمئنان الذي رافق سقوط الأسد، وذلك التخوّف الذي برز لدى الممسكين بالسلطة الجديدة!ورغم أن أهالي الساحل من السُنّة قدّموا نموذجاً مشرِّفاً من التضامن من الضحايا الجدد إلا أن أبناء الوطن الكبير لم يتصرفوا بالمثل، وخطابهم الطائفي يُنذر بالأسوأ. وينبغي الاعتراف بحالة الصدمة واليأس معاً السائدة الآن، فهناك صدمة الضحايا المدنيين من هول ما حدث، وهناك اليأس بعدما لم تنفع الاستغاثات في استجلاب الدعم المأمول من أبناء البلد أولاً، والفئة التي استجدته من الخارج هي محدودة ومعزولة اجتماعياً.
في كل الأحوال، الصمت على الانتهاكات ليس علامة على أوضاع صحية، لأنه ناجم عن اليأس من الكلام، ونضيف إليه تخوّف عدد كبير من الإدلاء بشهاداتهم أمام لجنة التحقيق. ويعرف الذين لهم صلات بالعلويين أن مغادرة البلاد صارت مرغوبة لدى نسبة متزايدة منهم، حتى المحتاجين للمساعدة صار قسم معتبر منهم يبحث عن مساعدة تمكّنه من المغادرة لا البقاء. على صعيد الواقع، بدأت طلائع طالبي اللجوء بالوصول إلى بعض الدول الأوروبية، وهذه الدول تقبل طلباتهم بخلاف ما أعلنته عن تعليقها البت في طلبات اللاجئين السوريين بعد سقوط الأسد.تكتب جنى الدهيبي في "المدن": "جبل محسن مرآة الساحل السوري: نزوح وخوف من المجهول". وتذكر أن رئيس الطائفة العلوية هناك "أعرب عن خشيته من تداعيات ما حدث في الساحل السوري على لبنان، خصوصاً وأن عدد النازحين منه تجاوز الثلاثين ألفاً. وقال بوضوح: على المنظمات الأممية أن تتعاطى مع النازحين من الساحل السوري كما تعاطت مع أسلافهم".
هذا التصريح يشي بالاتجاه الذي ينوي النازحون السير فيه، والثلاثون ألفاً ربما يكونون دفعة أولى ليس إلا للمغادرين من سوريا. قد يكون هذا خبراً ساراً للذين مارسوا ويمارسون التحريض الطائفي، ونضيف إليه أن الأقليات عموماً شهدت هجرات كثيفة في السنوات الأخيرة، فمثلاً من أصل قرابة سبعين ألف أرمني كانوا في حلب عام 2011 بقي حوالى عشرة آلاف، وهكذا هو حال معظم الأقليات، أي أن الحلم ببلد اللون الواحد المتجانس قد لا يكون مستحيلاً للساعين إليه.