رمضان.. فرصة عظيمة للتغيير، فهل سنستثمرها؟

هبة بريس_ عبد الرزاق

مع رحيل شهر رمضان، تنطوي صفحة من الصفحات المضيئة في حياتنا، تلك التي بدأناها بفرح التهاني وعزم الصيام، لنجد أنفسنا في رحلة روحانية عمّقت صلتنا بالله، وصقلت نفوسنا بالصبر والإحسان. لم يكن رمضان مجرد أيام معدودات، بل كان محطة تغيير وفرصة لمراجعة الذات، حيث التزم الكثيرون بالصلاة، وجاهدوا أنفسهم على الطاعة، وسعوا إلى تهذيب أخلاقهم وأفعالهم.

علمنا رمضان أن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة في ضبط النفس وتعويدها على الصبر والاعتدال. في هذا الشهر، شعرنا بجوع المحتاجين وعطش المحرومين، فتعلمنا قيمة العطاء والرحمة، وأدركنا أن السعادة الحقيقية تكمن في البذل والإحسان، لا في الترف والاستهلاك.

من أجمل دروس رمضان أنه أحيا صلة الرحم التي قد تضعف بسبب انشغالات الحياة. اجتمعنا مع الأهل والأقارب، تبادلنا الود والدعوات، وأدركنا أن هذه العلاقات ليست مجرد واجب اجتماعي، بل هي عبادة أمرنا الله بها، وسبب للبركة في العمر والرزق. فهل سنحافظ على هذه العادة بعد رمضان، أم سنعود إلى قطيعة تعكر صفو القلوب؟ وكما أن الله يحب العفو ويغفر لعباده، دعانا رمضان إلى التسامح والتجاوز عن أخطاء الآخرين.

كم من خصام انتهى في هذا الشهر بصفحة جديدة! وكم من قلب امتلأ بالسكينة بعد أن تخلص من أعباء الكراهية والضغينة! التسامح لا يعني الضعف، بل هو قوة داخلية تمنح الإنسان راحة نفسية وصفاءً روحيًا، فهل سنحتفظ بهذا النقاء بعد رمضان؟

ليست العبرة في أن نكون أكثر التزامًا في رمضان فحسب، بل في أن نستمر على ذلك بعد انقضائه. فالصلاة التي كنا نواظب عليها، والقرآن الذي كنا نتلوه، والروحانية التي عشناها، كلها أمور ينبغي أن تبقى جزءًا من حياتنا اليومية. التحدي الحقيقي هو أن نثبت أن رمضان لم يكن مجرد محطة مؤقتة، بل نقطة تحول دائمة نحو الأفضل. ختامًا، رمضان فرصة للتغيير، لكن أثره لا يجب أن يكون مؤقتًا. من خرج من هذا الشهر بقلب أكثر صفاءً، وإرادة أقوى، وسلوك أكثر نضجًا، فقد أدرك المعنى الحقيقي لهذه العبادة العظيمة. فليكن وداعنا لرمضان بداية جديدة، وليس مجرد نهاية لشهر عابر.