متابعة: خديجة العروسي استضاف مختبر الدراسات حول الموارد بكلية الآداب بمراكش المفكر والكاتب المغربي فؤاد العروي في لقاء علمي متميز، حيث قدّم محاضرة بعنوان “جيوسياسي وتاريخ العلوم عند العرب”، تناول فيها العلاقة الوثيقة بين الجغرافيا السياسية وتطور العلوم في العصور الإسلامية الأولى، مع التركيز على الفترة العباسية كزمن ذهبي لازدهار العلوم والمعرفة. استهل العروي محاضرته بالتأكيد على أن الفترة العباسية كانت مرحلة حاسمة في نقل العلوم من اللغات الأجنبية، خاصة من اليونانية والفارسية، إلى العربية، حيث نشطت حركة الترجمة في بيت الحكمة ببغداد، وهو المركز العلمي الذي أسسه الخليفة هارون الرشيد، وازدهر في عهد المأمون، الذي شجع العلماء والمترجمين على البحث عن الكنوز العلمية ونقلها إلى العربية. وأشار المفكر المغربي إلى دور المعتزلة في ترسيخ النزعة العقلانية داخل النقاشات العلمية والفلسفية، حيث كانوا يعتمدون على العقل والمنطق في تفسير النصوص الدينية. كما سلط الضوء على التطورات العلمية والفكرية في الأندلس، مستعرضًا تجربة الفيلسوف والطبيب ابن رشد، الذي انتقل من قرطبة إلى مراكش في عهد الدولة الموحدية، حيث أسهم في نشر الفلسفة الأرسطية وعلوم الطب والفلك. و في تقديمها للمحاضرة، أكدت الدكتورة فاطمة الجبراتي أن العلم لم يكن يومًا منعزلًا عن السياق الجيوسياسي، بل تأثر عبر التاريخ بالتنافس بين القوى العظمى، والرغبة في الهيمنة أو التعاون. وربطت ذلك بالبعثات العلمية الكبرى خلال عصر التنوير، وسباق الفضاء في القرن العشرين، والتحديات المعاصرة مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية. وأشارت إلى أن الاكتشافات العلمية لم تكن مجرد انعكاس للسياسات السائدة، بل شكلت بدورها قوة دافعة أحدثت تحولات جذرية في موازين القوى والاستراتيجيات الدولية. وقد شهد اللقاء تفاعلًا حيويًا بين المفكر فؤاد العروي والجمهور، الذي تضمن أساتذة وباحثين وطلبة دكتوراه بجامعة القاضي عياض. وطرحت العديد من الأسئلة حول استراتيجية العروي الثقافية ومشروعه الفكري، حيث أجاب عنها بكل أريحية وعمق، مستعرضًا رؤيته حول دور العلم في بناء الحضارات، وأهمية تطوير مشروع ثقافي عربي حديث يواكب التحولات العالمية. حضر هذا الحدث العلمي المتميز عدد من الصحافيين والإعلاميين، إضافة إلى شخصيات أكاديمية بارزة مثل الدكتور حسن المازوني، رئيس مركز ذاكرة مراكش للتراث والثقافة، والأستاذ محمد بوغالي، نائب عميد الكلية، إلى جانب أساتذة مختبر الدراسات حول الموارد وطلبة دكتوراه بجامعة القاضي عياض. يعتبر هذا اللقاء إضافة نوعية للنقاش العلمي في مراكش، حيث جمع بين البعد التاريخي والفكري لتطور العلوم في الحضارة الإسلامية، وسياقها الجيوسياسي المعاصر، مؤكدًا على ضرورة إحياء التراث العلمي العربي والاستفادة من دروسه في مواجهة التحديات الحالية.