لطالما كان العامل الديموغرافي أحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي، إذ تلعب الكثافة السكانية المدروسة دورًا محوريًا في خلق ديناميكية اقتصادية تسهم في تعزيز الإنتاج وزيادة الطلب وتحفيز الاستثمار. وبالنظر إلى موريتانيا، نجد أنفسنا أمام معادلة دقيقة : مساحة شاسعة وثروات طبيعية واعدة، يقابلها عدد سكان محدود لا يكفي لتحقيق الاستغلال الأمثل لهذه الموارد.
في هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكننا الاستفادة من الهجرة كأداة تنموية دون أن نعرض بلادنا لمخاطر التغيرات السكانية غير المدروسة؟
الجواب يكمن في مقاربة متوازنة تجمع بين الانتقاء الذكي للمهاجرين وإرساء ترسانة قانونية عادلة تنظم العملية لصالح الدولة والمهاجرين على حد سواء.
*الهجرة كرافد للتنمية الاقتصادية*
لقد أثبتت تجارب دولية عديدة أن الهجرة المدروسة يمكن أن تكون مصدر قوة اقتصادية. فالولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا، وغيرها من الدول، نجحت في تحويل التدفقات البشرية إلى طاقة إنتاجية عالية، من خلال اعتماد سياسات هجومية في انتقاء المهاجرين، بحيث يتم استقطاب ذوي المهارات المطلوبة لتغطية حاجات سوق العمل المحلي.
وفي حالة موريتانيا، فإن استقطاب كفاءات من ذوي التخصصات النادرة، والتقنيين المهرة في المجالات المختلفة، يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية. كما أن تشجيع الاستثمار من طرف المهاجرين يمكن أن يخلق فرص عمل جديدة، ويدعم الاقتصاد المحلي عبر تحويلات مالية واستثمارات إنتاجية.
*التحديات والمخاطر: كيف نحمي البلاد؟*
رغم الفوائد المحتملة للهجرة، فإن عدم تنظيمها بشكل جيد قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل الضغط على الخدمات العامة، وظهور مشكلات اجتماعية واقتصادية، وحتى تغيرات ديموغرافية غير محسوبة. لذا، فإن وضع إطار قانوني محكم للهجرة، يستند إلى معايير واضحة، يصبح ضرورة ملحة. من بين هذه التدابير :
- تحديد القطاعات الاقتصادية التي تحتاج إلى عمالة أجنبية، وإصدار تأشيرات عمل موجهة وفقًا لذلك.
- اعتماد سياسة انتقائية تعتمد على المهارات، بدلًا من الهجرة غير المنظمة أو العشوائية.
- إقرار برامج إدماج مجتمعي للمهاجرين، تضمن انسجامهم مع القيم الوطنية وعدم تشكيلهم عبئًا على المجتمع.
- تعزيز الرقابة على الحدود لمحاربة ظاهرة "الهجرة غير الشرعية" التي قد تشكل تهديدًا أمنيًا واقتصاديًا.
*الاستفادة من التجارب الدولية*
يمكن لموريتانيا أن تستلهم من تجارب دولية ناجحة في هذا المجال، مثل:
- النموذج الكندي: يعتمد على نظام النقاط، حيث يتم اختيار المهاجرين بناءً على تعليمهم، خبراتهم، وإجادتهم للغات الرسمية.
- النموذج الأسترالي: يركز على تلبية احتياجات سوق العمل من خلال برامج تأشيرات موجهة خصيصًا للمهن المطلوبة.
- التجربة الخليجية: تقوم على استقطاب العمالة لفترة محدودة، مع بقاء الجنسية والهوية الوطنية محمية من التغيرات الديموغرافية.
*نحو سياسة موريتانية للهجرة: حلول مبتكرة*
إن نجاح موريتانيا في تحقيق توازن بين حاجتها إلى اليد العاملة وحماية سيادتها الوطنية، يتطلب رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
بعض الخطوات التي يمكن تبنيها:
- إنشاء هيئة وطنية لتنظيم الهجرة، تُعنى بتحديد الحاجات القطاعية للمهاجرين.
- إطلاق شراكات مع الدول المصدرة للعمالة، لضمان تدفق منتظم وموجه للقوى العاملة.
- إدراج برامج لتعليم اللغة والثقافة الوطنية للمهاجرين، مما يسهل عملية اندماجهم.
- تحفيز المهاجرين من أصحاب المشاريع للاستثمار في موريتانيا، عبر تقديم مزايا ضريبية وتسهيلات إدارية.
*خاتمة: الهجرة ليست خطرًا إذا أُحسن تدبيرها*
في عالم اليوم، لا يمكن لأي دولة أن تعزل نفسها عن الحركية البشرية المتزايدة، ولكن الفارق بين النجاح والفشل يكمن في كيفية إدارة هذه الظاهرة. إذا استطاعت موريتانيا وضع استراتيجية مدروسة للهجرة، فإنها ستنجح في تحويل التحديات إلى فرص، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام، دون التفريط في أمنها واستقرارها الديموغرافي.
فلتكن الهجرة أداة للنمو، لا مصدرًا للتهديد!
*محمد عبد الله محيي الدين*
*اقتصادي وإطار بوزارة المالية*