لا بدّ من الخلاف في كلّ عام بين الدول الإسلامية حول موعد بدء صيام المسلمين، أي أن الخلاف هو على اليوم الأول من شهر رمضان المبارك.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
البعض يبدأ الصيام بينما يفطر الآخرون، وهكذا في العيد، فيعود الخلاف على نفسه، دولٌ وشعوب تعيّد ودول تستمر في الصيام ليوم إضافي. تبلغ هذه الخلافات أوجها في فترات الخلافات السياسية، مثل الموقف من العراق إبان احتلال الكويت، وخلافات النظامين في بغداد ودمشق حول موعد الصيام والعيد، فيرفض كل طرف منهما أن يعيد في اليوم نفسه.
قبل هذا، كان الخلاف بين جبهة الرّفض التي عارضت اتفاقات كامب ديفيد والسلام بين مصر وإسرائيل، وهذا انعكس على الصيام والعيد.
كان الزعيم الليبي معمّر القذافي نجم هذه الخلافات، فهو لم يكتفِ بالخلاف على يوم واحد، بل وصل خلافه في إحدى السنين إلى يومين، كي لا يكون متّسقًا مع أحد، فلم يعيّد مع جبهة الرفض ولا عيّد مع مصر، واحتفل الشعب الليبي لوحده في ذلك العام بعيد الفطر السعيد.
هنالك أصوات كثيرة تدعو إلى تحكيم العقل واتّباع علم الفلك المعاصر ووكالات الفضاء التي تستطيع أن تحدّد مواقيت بداية شهر رمضان، ومتى يكون العيد إلى مئات آلاف السنين القادمة، وليس العام الحالي فقط، ولكن هنالك رفض لهذا التوجّه العلمي العقلاني، ويصرّ الشّيوخ الذين تحركهم الأنظمة وتستعملهم على إبقاء رؤية الهلال سواء بالعين المجردة أو المسلّحة بمنظار أو تلسكوب.
شيوخ السّلاطين يرفضون التحكيم العلمي، فلماذا يا ترى؟ ما هو السّبب الذي يجعل هؤلاء يهمّشون العلم؟
ببساطة، لأن التحكيم المعتمد على العلم يؤدي بالضرورة إلى تعطيل دورهم في القرار، وهذا يعني أن يفقد السّلاطين ورقة يستخدمونها في خدمة السياسة. إلغاء دور شيوخ السّلاطين في هذا المجال، واللجوء إلى العلم، قد يكون فاتحة دخول إلى أمور أخرى من باب العلم، وهذا ما يرفضونه.
شيوخ السلاطين يريدون إبقاءها تحت مسمّى الالتزام بالسُّنة النبوية والمضيّ على طريق السّلف الصالح، وليس فقط في الصيام والعيد، بل في جميع الطقوس الدينية التي تحوّلت منذ زمن بعيد إلى طقوس شكلية، وهم يتمسكون بالشّكليات خشية فقدانهم السّيطرة على الجموع.
أكثر من ثلاثة ملايين معتمر في هذا العام خلال رمضان المبارك مُنعوا من الهتافات التي تدعو لرفع الحصار عن قطاع غزّة أو لنصرة أهلها، بحجة أن السّنة النّبوية والطقوس لا تتضمن هتافات سياسية لغزّة.
لهذا يُعاقبُ من يهتف لغزّة، ويُمنع رفع علم فلسطين في الحرم المكّي، بحجّة أنّه نشاط سياسي وليس دينيًا. كذلك، فإنّ شيوخ الحرم المكي لا يستطيعون أن يتحدّثوا في صلواتهم وخطبهم عن حرب الإبادة التي يتعرّض لها أهل قطاع غزّة، فهذا ليس من السّنة، بل ويحرمون المسلمين من الدّعاء أو رفع راية لهم، وذلك لأنّ هذا يدخل في نطاق السياسة الممنوعة وخارج طقوس العبادات.
كذلك فإن إحدى مهام السّلاطين، وهذا يشمل الملكي والجمهوري، أن يجعلوا من المسلمين أضحوكة للأمم. عليهم أن يثبتوا لأولياء أمورهم في أمريكا والغرب وإسرائيل أنّهم متفرّقون، غير موحّدين، لا سمح الله، ويجب أن يبرهنوا للسيد الأمريكي والإسرائيلي أنّهم منقسمون، بالضبط كما يريدون لهم: سنّة في مواجهة شيعة، وسُنّة في مواجهة سُنّة. هذه مهمة السّلاطين والأنظمة، شق صفوف المسلمين حتى في أقدس طقوسهم الدينية.
نتيجة هذه الخلافات المصطنعة، هنالك ملايين المسلمين الذين أفطروا وعيّدوا قبل انتهاء شهر رمضان، وبهذا يتحمّل الشيوخ الذين أفتوا بالعيد إثمًا، أو أنّ هنالك ملايين واصلوا الصّيام رغم أنّه أول يوم من أيام العيد، أي أنّهم صاموا في العيد، وهذا أيضًا إثم يتحمّل مسؤوليته الشيوخ.
عادة ما يُكتشف الخطأ بعد يوم، أي عندما يظهر الهلال جليًا، وهو خطأ كان يمكن تلافيه لو لجأت الدّول الإسلامية إلى العلم وأقرّت تواريخ بداية الشّهر والعيد لعقود قادمة، وحتى بعد مئات آلاف السنين من غير أن يتلاعب بها السياسيون.
نستنتج من هذا التعنّت المصمَّم لإرضاء هذا الحاكم أو ذاك، أنّ الهدف هو التّمسك بشكليّات العبادة وعدم الدّخول في جوهرها، كي تبقى لهؤلاء سيطرة تامّة على سائر مجالات الحياة، تحت شعار أو ادّعاء إحياء السّنة النبوية الشريفة وتقاليد السّلف الصالح. فمتى يقلب المسلمون الطاولة في وجه أهواء السّاسة، ويقرّرون اتّباع العلم في أيام صيامهم وإفطارهم وعيدهم؟