كثّفت إسرائيل أمس الاثنين غاراتها الجوية على مناطق عدة في جنوب لبنان وشرقه، ووجهت تحذيرات للسكان بالابتعاد عن أهداف مرتبطة بحزب الله، وسط دعوات دولية للتهدئة خشية اتساع نطاق النزاع الراهن بين الطرفين إلى حرب واسعة. وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه شنّ غارات على أكثر من «300 هدف» للحزب، في تصعيد غير مسبوق منذ بدء النزاع الراهن بين الطرفين في أكتوبر على خلفية الحرب في غزة بين إسرائيل وحركة حماس.

ودعا الجيش السكان إلى «الابتعاد» عن مواقع الحزب، وذلك للمرة الأولى منذ بدء تبادل القصف بينهما قبل نحو عام.

وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي دانيال هاغاري: «ننصح المدنيين في القرى اللبنانية الواقعة في أو قرب مبانٍ ومناطق يستخدمها حزب الله لأغراض عسكرية، مثل تلك المستخدمة لتخزين أسلحة، للابتعاد فوراً عن دائرة الخطر من أجل سلامتهم».

وشدد على أن الجيش سيشنّ المزيد «من الغارات المكثّفة والدقيقة ضد الأهداف الإرهابية التي زرعت بشكل واسع في مختلف أنحاء لبنان».

وفي وقت لاحق، أفاد الجيش بأنه تمّ «حتى الآن شن غارات على أكثر من 300 هدف لحزب الله»، بعدما أعلن شنّ 150 غارة جوية خلال ساعة بين السادسة والنصف (3,30 ت غ) والسابعة والنصف.

وتركزت الغارات في مختلف أنحاء جنوب لبنان بما في ذلك مناطق صور والنبطية وغيرهما، ومحافظة البقاع الحدودية مع سورية في شرق البلاد، وفق الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية ومراسلون أكدوا أن حدّة الغارات غير مسبوقة منذ بدء التصعيد بين الدولة العبرية وحزب الله قبل أكثر من 11 شهراً.

جيش الاحتلال يتوعد بشنّ المزيد من الغارات الدقيقة

وأفادت الوكالة الوطنية بأن الغارات أدت إلى مقتل راعٍ في بوداي بقضاء بعلبك (شرق)، فيما نعى حزب الله أحد عناصره من دون أن يحدد مكان مقتله. وأسفرت الغارات في الجنوب عن سقوط 34 جريحاً، وفق المصدر ذاته.

وأوعزت وزارة الصحة إلى المستشفيات الواقعة في الجنوب والشرق وقف العمليات غير الطارئة لإفساح المجال لمعالجة جرحى الغارات. وطلبت في بيان «من جميع المستشفيات في محافظات الجنوب والنبطية وبعلبك الهرمل وقف كل العمليات الباردة بهدف إفساح المجال لمعالجة الجرحى بسبب تمادي العدوان الإسرائيلي على لبنان». وندّد رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي الاثنين بما وصفه بـ»مخطط تدميري يهدف إلى تدمير القرى والبلدات اللبنانية والقضاء على كل المساحات الخضراء». وأعلن وزير التربية عباس الحلبي إغلاق المدارس في المناطق التي تستهدفها الغارات الإسرائيلية إضافة للضاحية الجنوبية لبيروت، معقل الحزب.

ومن بلدة زوطر في قضاء النبطية بجنوب لبنان، قالت وفاء اسماعيل (60 عاماً) وهي ربة منزل ومزارعة: «ننام على القصف و نصحو على القصف... هكذا باتت حياتنا». وأضافت: «عندما تمر ساعات هدوء ليلاً نستغرب ونخشى العاصفة التي ستلي هذا الهدوء». وتابعت: «منذ بدء الحرب في غزة ونحن نعيش على وقع الحرب ونحاول طمأنة الأطفال الصغار. نأمل أن نتمكن من زرع محاصيلنا.

وتزامناً مع الغارات المكثّفة، تلقّى سكان في بيروت ومناطق أخرى اتصالات عبر الهواتف الثابتة والنقالة مصدرها إسرائيل، يُطلب فيها منهم إخلاء أماكن تواجدهم، وفق الوكالة الوطنية. وأوردت الوكالة «يتلقى مواطنون في بيروت وعدد من المناطق، رسائل هاتفية تحذيرية عبر الشبكة الثابتة، مصدرها العدو الإسرائيلي، تطلب منهم إخلاء أماكن وجودهم سريعاً، وذلك في إطار الحرب النفسية التي يعتمدها العدو». وأكد مكتب وزير الإعلام زياد المكاري تلقيه اتصالاً تمّت خلاله «تلاوة رسالة مسجلة جاء فيها «نطلب منكم أن تخلوا المبنى لئلا تتعرضوا للقصف». ويقع المكتب في مبنى وزارة الإعلام بمنطقة الحمرا بغرب بيروت. ويأتي التصعيد بعد نحو أسبوع من تأكيد الحكومة الإسرائيلية أن أهداف الحرب التي تخوضها في غزة، توسعت لتشمل إعادة عشرات آلاف السكان إلى الشمال، بعد نزوحهم جراء تبادل القصف مع حزب الله خلال الأشهر الماضية.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الأحد: «نحن مصممون على جعل سكان الشمال يعودون إلى منازلهم بأمان. لا يمكن لأي دولة أن تتساهل مع الهجمات على مواطنيها وعلى مدنها. نحن، دولة إسرائيل، لن نتساهل مع ذلك أيضاً».

وسبق لمسؤولين في حزب الله أن أكدوا أن وقف التصعيد على جبهة لبنان هو رهن «وقف العدوان» على غزة.

وتصاعد النزاع بعد تأكيد إسرائيل أنها نقلت «ثقل» المعركة من الجنوب حيث قطاع غزة الى الشمال مع حزب الله.

وتلقّى الحزب سلسلة ضربات في الأيام الأخيرة، شملت تفجير آلاف أجهزة الاتصال التي يستخدمها عناصره يومي الثلاثاء والأربعاء في عملية نسبها لإسرائيل، وغارة جوية قرب بيروت استهدفت اجتماعاً لقيادة قوات النخبة التابعة له أسفرت عن مقتل نحو 50 شخصاً بينهم قائدان عسكريان بارزان وعدد من رفاقهما، إضافة إلى ضربات جوية مكثفة من سلاح الجو الإسرائيلي على أهداف في جنوب لبنان خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وأعلن الحزب استهداف مجمعات للصناعات العسكرية وقاعدة إسرائيلية قرب مدينة حيفا، في عمليات أكد أنه استخدم فيها صواريخ هي الأبعد مدى منذ بدء النزاع الحالي بينه وبين الدولة العبرية.

وخلال تشييع إبراهيم عقيل، قائد قوة الرضوان النخبوية في حزب الله الأحد، أكد نائب الأمين العام للحزب نعيم قاسم أن التنظيم دخل في «مرحلة جديدة» من القتال مع إسرائيل، عنوانها معركة «الحساب المفتوح». وشدد على أن التهديدات الإسرائيلية «لن توقفنا» مضيفاً: «نحن مستعدون لمواجهة كل الاحتمالات العسكرية».

وكان الجيش الإسرائيلي أعلن الأحد أن «150 قذيفة وصاروخاً ومسيرة» أطلقت نحو شمال إسرائيل «بدون أن يتسبب ذلك بأضرار كبيرة». وبحسب الجيش، نزل إلى الملاجئ مئات آلاف السكان في الشمال حيث أغلقت المدارس أبوابها الاثنين.

وفي خضم التصعيد، صدرت دعوات للتهدئة أو مغادرة الرعايا الأجانب. فأعلن الكرملين الاثنين أنه «قلق للغاية». وقال الناطق باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف: «الوضع يتدهور كل يوم سريعاً. التوتر يتصاعد وكذلك عدم القدرة على معرفة مسار الأمور. هذا يشعرنا بقلق للغاية». كما، حضّت الصين رعاياها على مغادرة إسرائيل «في أسرع وقت ممكن».

وكانت الولايات المتحدة، الحليفة الرئيسة لإسرائيل، حضّت مواطنيها على مغادرة لبنان، مؤكدة في الوقت عينه مواصلة العمل على لجم التصعيد. وقال الرئيس الأميركي جو بايدن: «سنبذل قصارى جهدنا لتجنب اندلاع حرب أوسع نطاقاً. ولا نزال ندفع بقوة» في هذا الاتجاه.

وحذّرت المنسّقة الخاصّة للأمم المتحدة في لبنان جينين هينيس-بلاسخارت من أن المنطقة تقترب من «كارثة وشيكة»، مؤكدة أن الحل العسكري لن يفيد أي طرف. من جانبها، قالت مصر: إنها تخشى اندلاع «حرب إقليمية شاملة»، مشدّدة على أن التصعيد بين إسرائيل وحزب الله «يؤثر سلباً» على مفاوضات الهدنة في غزة.

النزوح من مناطق الصراع (رويترز)