على مر السنوات، استطاع المنتخب الياباني لكرة القدم أن يحقق تطورًا لافتًا ليصبح أحد أقوى المنتخبات في آسيا، بل ومن أبرز المنتخبات العالمية التي تنافس في أعلى المستويات، حيث يُعد هذا التحول نتيجة لعدة عوامل استراتيجية بدأت منذ عقود، ومرت بمراحل من التخطيط المستمر والتطوير المستدام، بحيث أصبحت اليابان اليوم من أفضل منتخبات كرة القدم في القارة الآسيوية، بل أحد المنافسين الرئيسيين في كأس العالم.
من حلم 2005 إلى واقع 2050
يعود الفضل في بداية هذا التحول إلى رؤية بعيدة المدى وضعتها اليابان في عام 2005، حيث أعلنت عن طموحها بأن تكون قادرة على الفوز بكأس العالم بحلول عام 2050، هذه الرؤية لم تكن مجرد حلم، بل كانت استراتيجية مبنية على تحليل دقيق لمستقبل كرة القدم في البلاد في ذلك العام وضعت اليابان خططًا لتطوير بنية كرة القدم بشكل شامل، بدءًا من تحسين مستوى اللاعبين الشباب، وتطوير الفئات العمرية المختلفة، ووصولًا إلى بناء أكاديميات تدريبية متقدمة.
اليوم، أصبحت اليابان واحدة من الدول الرائدة في تطوير المواهب الشابة، وتخرج لاعبين على أعلى مستوى من خلال منظومة أكاديمية منظمة، وتكمن قوة المنتخب الياباني في أن هذه الأكاديميات لا تقتصر على تدريب اللاعبين فحسب، بل تعزز أيضًا القدرات الفكرية والتكتيكية، مما يضمن إنتاج لاعبين قادرين على التنافس في أعلى المستويات عالميًا.
الطفرة في عدد اللاعبين واهتمام المدارس
لا شك أن أحد الأسباب الرئيسية لتطور كرة القدم في اليابان هو الاهتمام الكبير الذي أولته المدارس لكرة القدم، وهو ما يختلف تمامًا عن العديد من الدول الآسيوية، فمنذ الثمانينيات، شهدت اليابان تطورًا هائلًا في أعداد اللاعبين المنتسبين للفرق المدرسية، بالتحديد تزامنًا مع سنة إطلاق المسلسل الكرتوني الشهير «الكابتن تسوباسا» في عام 1981، حيث كان نقطة تحول في تاريخ اللعبة في اليابان وهو مسلسل كرتوني من أعمال الرسام يويتشي تاكاهاشي الذي استلهم شخصيته من النجم الياباني المخضرم كازويوشي ميورا الذي ولد عام 1967، وقبل أن يطلق تاكاهاشي مسلسله الشهير «الكابتن تسوباسا» لم تكن كرة القدم من الألعاب المحببة لليابانيين حيث كانت تعيش كرة القدم اليابانية ندرة في أرقام اللاعبين والممارسين لهذه الرياضة حيث لم يتجاوز عدد اللاعبين آنذاك حاجز الـ60 ألف لاعب، إلا أن هذا الواقع تغير مباشرة بعد إطلاق سلسلة «الكابتن تسوباسا» حيث شهدت اللعبة رواجًا وشعبية في الأوساط اليابانية، الشيء الذي حدا الاتحاد الياباني لكرة القدم من إطلاق بطولة دوري المدارس الثانوية حيث حظيت هذه البطولة بمتابعة شعبية قوية وبتوافد قوي للاعبين الراغبين بالمشاركة الشيء الذي ساهم بزيادة شعبية اللعبة لتكسر الكرة اليابانية حاجز الـ200 ألف لاعب خلال مدة زمنية قصيرة.
ولم يكن هذا الإجراء الخطوة الوحيدة التي اتخذها الاتحاد الياباني في سبيل تطوير اللعبة، إذ شهدت بداية التسعينيات الماضية إرسال أعداد كبيرة من المواهب الكروية اليابانية إلى دولة البرازيل التي كانت تعتبر جنة كرة القدم لتطبيق برامج التعايش مع الأندية البرازيلية والاحتكاك بأصحاب الصنعة، إلا أن الاتحاد الياباني تراجع عن هذا القرار بعد دراسته ورؤية أن لا جدوى منه وفقًا للنتائج التي استنبطها مسؤولو الاتحاد.
حقق المنتخب الياباني إنجازًا كبيرًا في كأس العالم 2002، حينما استضافت اليابان وكوريا الجنوبية البطولة، وعلى الرغم من أن المنتخب الياباني لم يحقق البطولة، إلا أن الفريق أظهر تطورًا كبيرًا مقارنة بما كان عليه في البطولات السابقة، حيث كانت تلك النسخة من كأس العالم علامة فارقة في تطور كرة القدم في اليابان، إذ ضم المنتخب العديد من اللاعبين الذين نشؤوا في نفس الحقبة التي بدأ فيها المسلسل الشهير، الشيء الذي يعكس تأثير هذا المسلسل على الأجيال الجديدة التي بدأ شغف حب كرة القدم يجذبها نحو المستطيل الأخضر بفضل الكابتن تسوباسا، وتمثلت النتائج في أداء قوي في البطولة، حيث وصل المنتخب الياباني إلى دور الـ16 في أول مشاركة له في البطولة على أرضه، مما أضاف إلى سمعة المنتخب الآسيوي في المحافل الدولية.
اليوم، أصبح النموذج الياباني في كرة القدم يشهد مرحلة الكمال، حيث يتمتع المنتخب بتقنيات متقدمة في تدريب اللاعبين، مع التركيز على تحسين كل جوانب اللعب بدءًا من القدرات البدنية، وصولًا إلى الذكاء التكتيكي، هذه الاستراتيجية شملت استقطاب أفضل المدربين، وتحسين البنية التحتية للفرق، والاهتمام بالمرافق الرياضية على أعلى مستوى، اليابان قامت أيضًا بتوسيع قاعدة اللاعبين المتنافسين لتشمل مختلف المناطق والمدن في البلاد، وهو ما أتاح للمنتخب الحصول على مجموعة متنوعة من اللاعبين الموهوبين الذين ينافسون في الدوريات الأوروبية الكبرى.
مع استراتيجية طويلة الأمد وتركيز على الجودة وليس الكمية، باتت اليابان في وضع يؤهلها بشكل متزايد لتحقيق حلمها في التتويج بكأس العالم 2050، حيث يُعتبر المنتخب الياباني اليوم واحدًا من المنتخبات الآسيوية التي لا تقهر، إذ أثبت كفاءته في التصفيات العالمية، وقدرته على مجابهة أكبر الفرق في العالم، وتظهر هذه الإنجازات في النجاحات التي حققها اللاعبون اليابانيون في الدوريات الأوروبية الكبرى، وفي تصدر اليابان لفرق القارة الآسيوية في التصفيات المؤهلة لكأس العالم.
اليابان، بذلك، لم تقتصر على بناء منتخب قوي فحسب، بل أحدثت تحولًا ثقافيًا شاملًا في كرة القدم في البلاد، من خلال التفاني في العمل والتخطيط البعيد المدى، أصبح المنتخب الياباني الآن يمثل نموذجًا يحتذى به في العالم، ويثبت يومًا بعد يوم أن العمل المستمر والمخلص يمكن أن يحقق النجاح في أكثر المسابقات الرياضية تحديًا على مستوى العالم.