أصبح اليوم من الواضح مدى الاتساع والسرعة التي يعمل بها الذكاء الاصطناعي. كما يبدو أننا في طور تجاوز مرحلة الصدمة التي شاعت فيها تصورات غير واقعية عن المستقبل. مع ذلك، فإن هذه الثورة التقنية تأتي مع مخاطر كبيرة، مثل: التحيز الخوارزمي، وانتهاك الخصوصية، وانتشار المعلومات المضللة. في عام 2018، اضطرت أمازون إلى إلغاء نظام توظيف بالذكاء الاصطناعي بعد اكتشاف تحيزه ضد النساء، بينما أثبتت دراسات أن أنظمة التعرف على الوجه لديها معدلات خطأ مرتفعة للأشخاص ذوي البشرة الداكنة. هذه التحديات تؤكد الحاجة الملحّة لحوكمة الذكاء الاصطناعي.
استجابة لهذه المخاطر، أطلقت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية مبادئها للذكاء الاصطناعي في عام 2019، بهدف تحقيق توازن بين الابتكار والضوابط الأخلاقية. تعزز هذه المبادئ الشفافية، والمساءلة، والعدالة، وقد تبنتها أكثر من 40 دولة. ومع ذلك، فإن طبيعتها الطوعية وغير الملزمة تشكك في تأثيرها مع التنافس العالمي المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي.
رغم أن المبادئ توفر إطاراً أخلاقياً قوياً، فإن غياب آليات التنفيذ يقلل من تأثيرها. في المقابل، يتبنى الاتحاد الأوروبي قانوناً للذكاء الاصطناعي يفرض عقوبات صارمة على الانتهاكات، بينما تعتمد منظمة التعاون والتنمية على التنظيم الذاتي. هذا يعني أن الشركات والحكومات ليست مجبرة على الامتثال، مما يعني أن فاعليتها تقف عند حد التنفيذ الذي بيد الدول الأعضاء.
إضافة لذلك، تؤدي الاختلافات الجيوسياسية إلى تعقيد جهود التنظيم، فالولايات المتحدة تتيح للسوق تشكيل نفسه بنفسه، بينما تفرض الصين رقابة حكومية مشددة على الذكاء الاصطناعي، غياب توافق دولي ملزم قد يؤدي إلى سباق تقني غير منظم، حيث تكون المصالح الاقتصادية أكثر تأثيراً من الاعتبارات الأخلاقية.
لزيادة فاعلية هذه المبادئ، يجب أن تتطور إلى معايير دولية ملزمة، تماماً كما يحدث في اتفاقيات المناخ. يمكن ربط الامتثال لمعايير الذكاء الاصطناعي باتفاقيات التجارة العالمية، مما يدفع الدول إلى الالتزام من خلال الحوافز الاقتصادية.
كما يجب فرض عمليات تدقيق مستقلة على أنظمة الذكاء الاصطناعي، تماماً كما هو الحال في التدقيق المالي، لضمان الامتثال للمعايير الأخلاقية. كما ينبغي أن تكون هناك مراجعات مستمرة لهذه المبادئ لتواكب التطورات السريعة في المجال. مع تطور التقنية واتساع تأثيرها على العالم، لا بد من التحول من عالم أكثر اتصالاً إلى عالم أكثر تعاوناً في مجال التقنية نفسها، أسوة بالنظام المالي العالمي مثلاً.
مبادئ منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية خطوة مهمة نحو حوكمة مسؤولة للذكاء الاصطناعي، لكنها تظل غير كافية بدون أدوات تنفيذية قوية. إذا لم تتحرك الحكومات والصناعات بسرعة لاعتماد لوائح أكثر صرامة، فإن الذكاء الاصطناعي قد يطور وفقاً لمصالح القوى الاقتصادية بدلاً من القيم الأخلاقية. السؤال الآن ليس ما إذا كان يجب تنظيم الذكاء الاصطناعي، بل كيف يمكننا الاتفاق على قواعد واضحة قبل فوات الأوان؟