كل عام وأنتم بخير.. جاء العيد، وحلّ «بعد العيد» الذي كنا نؤجّل إليه كل شيء!
كل وعد مؤجَّل، وكل مشروع مؤجّل، وكل تغيير مؤجّل، ينتظر الآن دوره في طابور طويل اتفقنا أنه «بعد العيد»… ونحن نعلم يقينًا أنه ليس إلا مهربًا آخر نلجأ إليه كلما ضاق بنا الوقت أو زادت علينا المسؤوليات.
ونكتشف اليوم أن «بعد العيد» ليس زمنًا بعيدًا كما ظننّا، ولا هو المساحة الموعودة التي تتسع لكل الخطط، وتُنجز فيها القوائم، وتُغلق فيها الملفات… بل هو مجرد عذر يُضاف إلى أعذار التأجيل، وحلقة في دائرة الهروب اللانهائية التي تتكرر كل عام.
نؤجّل الخطط والقرارات، حتى لا نصطدم بها اليوم.. نؤجّلها إلى «بعد العيد»، وكأن هذا الموعد مختلف عن باقي الأوقات؛ أو أنه طوق النجاة من استحقاقات العمل والالتزام والإنجاز؛ لكنه في الواقع لا يحمل سوى حقيقة وحيدة مفادها أن من لا يبدأ الآن، لن يبدأ بعد العيد، ولا بعد أي وقت آخر.
شماعة «بعد العيد» ليست سوى صورة أخرى من ميلنا المزمن نحو التأجيل، نحو تعليق الحياة على مواعيد مفتوحة: بعد السفر، بعد الزواج، بعد التقاعد، بعد رمضان، وبعد الحج… ولأننا بارعون في صناعة الأعذار، وفي فنون التأجيل والتسويف، منحنا «بعد العيد» حجمًا أكبر من حجمه، وساعات أطول من حقيقته، حتى بات ملاذًا نفسيًا لكل ما لا نرغب في إنجازه… نعلّق عليه عجزنا حينًا، وكسلنا حينًا آخر، ونُقنع أنفسنا أن التأجيل نوع من الترتيب، بينما هو مجرد هروب يتحول بسببه التغيير والإنجاز البسيط إلى عبء أثقل من البداية نفسها؛ فكم من القرارات الحاسمة تُركت معلّقة على شماعة العيد، لا لشيء، إلا لأننا ربما نهاب اللحظة الحاسمة، ونهرب من الخطوة الأولى؛ والحقيقة أن التأجيل لا يُخفّف عبء القرار، بل يُراكمه حتى يصبح ثقلًا يصعب حمله/تنفيذه.
الحياة ليست معنيّة بمواسمنا، ولا ترتّب استحقاقاتها على توقيت إجازاتنا… من أراد أن يبدأ، فليبدأ الآن، في زحمة الأيام، لا على هامشها؛ فكل موعد نؤجّله، هو وقت نفقده، وكل خطوة نؤخّرها، هي مسافة تطول بيننا وبين ما نريد.
كل عام وأنتم أقرب لما وعدتم أنفسكم به.. لا، لما وعدتم بتأجيله إلى «بعد العيد».