مع عودة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إلى المشهد السياسي، تتجه الأنظار إلى سياساته الاقتصادية الجديدة التي قد تعيد تشكيل الأسواق العالمية على المديين المتوسط والبعيد.  فمن فرض الرسوم الجمركية على الواردات إلى تخفيف اللوائح المالية والاستثمارية، تثير قرارات ترامب جدلًا واسعًا بين الاقتصاديين والمستثمرين، خاصة مع تداعياتها المحتملة على الاقتصادات الناشئة والشركات متعددة الجنسيات. حماية محلية أم نزعة حمائية؟ أعلن ترامب عن سلسلة من القرارات الاقتصادية التي تهدف، وفقًا له، إلى حماية الاقتصاد ما وراء الخبر وتعزيز الإنتاج المحلي. ومن أبرز هذه القرارات فرض رسوم جمركية بنسبة 25 % على السيارات المستوردة، وهو ما اعتبرته شركات السيارات الأوروبية واليابانية تهديدًا لصناعتها، حيث تعتمد بشكل كبير على تصدير سياراتها إلى الولايات المتحدة. كما هدد ترامب بفرض رسوم جمركية على واردات الألمنيوم والصلب، مما قد يشعل حربًا تجارية جديدة مع الاتحاد الأوروبي وكندا. إلى جانب ذلك، سعت إدارة ترامب إلى تسهيل الاستثمارات الضخمة من خلال تقليص اللوائح البيروقراطية، خاصة للمشاريع التي تتجاوز قيمتها مليار دولار. كما خففت القيود على العملات الرقمية، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لجذب رؤوس الأموال في هذا القطاع سريع النمو. توتر الأسواق وتذبذب الاستثمار على المدى المتوسط، من المتوقع أن تؤدي سياسات ترامب إلى حالة من عدم الاستقرار في الأسواق العالمية. فالرسوم الجمركية المفروضة على السيارات والمعادن قد تدفع دولًا أخرى إلى اتخاذ تدابير مماثلة، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وانخفاض الطلب العالمي. وقد سجلت الأسواق المالية بالفعل تقلبات حادة بعد الإعلان عن هذه السياسات، حيث تراجعت أسهم الشركات الكبرى مثل “فورد” و”بي إم دبليو” بسبب مخاوف من انخفاض أرباحها المستقبلية. أما بالنسبة للاستثمارات، فقد تشهد الولايات المتحدة تدفقات مالية جديدة بسبب الحوافز التي تمنحها الإدارة للمشاريع الضخمة. ومع ذلك، فإن عدم وضوح السياسات الضريبية والتجارية قد يجعل المستثمرين أكثر تحفظًا، مما قد يؤثر على معدل النمو الاقتصادي في السنوات القليلة المقبلة. السياسات الحمائية للاقتصاد الأميركي على المدى البعيد، قد يكون لقرارات ترامب تأثيرات متباينة. فمن جهة، يمكن أن تساعد سياساته في إعادة بعض الصناعات إلى الولايات المتحدة، خاصة في مجالات التصنيع والتكنولوجيا. وقد شهدت السنوات السابقة لترامب عودة بعض الشركات إلى الإنتاج المحلي، مدفوعة بالحوافز الضريبية والضغوط السياسية. لكن في المقابل، فإن السياسات الحمائية قد تؤدي إلى تراجع القدرة التنافسية للولايات المتحدة عالميًا. فالشركات الأمريكية التي تعتمد على المواد الخام والمنتجات المستوردة ستواجه تكاليف أعلى، مما قد يجبرها على رفع الأسعار وتقليل فرص العمل. كما أن تراجع التعاون التجاري مع الاتحاد الأوروبي والصين قد يؤثر سلبًا على قطاعي التكنولوجيا والخدمات المالية، حيث تعتمد العديد من الشركات الأمريكية على الأسواق الخارجية لتحقيق أرباحها. كيف تستجيب الأسواق العالمية؟ ردود الفعل الدولية على قرارات ترامب لم تتأخر، فقد أعربت المفوضية الأوروبية عن قلقها من إمكانية اندلاع حرب تجارية جديدة، بينما هددت الصين باتخاذ تدابير انتقامية إذا استمرت الولايات المتحدة في فرض قيود على الشركات الصينية.  ومن المتوقع أن تؤدي هذه التوترات إلى إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية، حيث قد تتجه بعض الدول إلى تعزيز علاقاتها التجارية مع الصين وأوروبا بدلاً من الاعتماد على الولايات المتحدة. وفي أسواق المال، قد تستفيد بعض الشركات الأميركية على المدى القصير من الحوافز التي تقدمها إدارة ترامب، لكن على المدى الطويل، قد تجد نفسها معزولة عن السوق العالمية إذا استمرت السياسات الحمائية.  بين التفاؤل والقلق لا شك أن قرارات ترامب الاقتصادية تشكل تحولًا مهمًا في السياسة الأميركية، لكنها تثير أيضًا تساؤلات حول مستقبل الاقتصاد العالمي. فبينما يرى البعض أن هذه السياسات قد تعزز النمو المحلي وتقلل العجز التجاري، يرى آخرون أنها قد تؤدي إلى عزلة اقتصادية للولايات المتحدة وتراجع نفوذها في الأسواق العالمية. وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح هذه القرارات في تحقيق أهدافها، أم أنها ستقود إلى مزيد من الاضطرابات الاقتصادية على المستوى الدولي؟