تركيز أكبر بشكل ملحوظ على الصحة العقلية للطلاب في المدارس الفنلندية
كوريا الجنوبية بين أعلى 5 مراتب لنحو 79 دولة شاركت في برنامج “بيسا”
شح الموارد الطبيعية يتطلب شيئا واحدا وهو الاستثمار بالموارد البشرية
حازت أنظمة التعليم في كل من فنلندا وكوريا الجنوبية وسنغافورة على قدر متصاعد من الاهتمام، حيث تتباهى هذه الدول بمخرجات طلابها والذين يصنفون باستمرار ضمن أفضل الطلاب الأكاديميين في جميع أنحاء العالم. على سبيل المثال، نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA) لكل دولة؛ تأتي كوريا وفنلندا ضمن المراكز السبعة الأولى في العالم. فما السر الذي يعطي هكذا أنظمة تعليمية هكذا تفوق؟ سنستعرض في هذا المقال أبرز النقاط التي تميز الأنظمة التعليمية في هذه الدول وسنخص بالذكر والمقارنة كلا من نظام التعليم في كوريا الجنوبية وفي فنلندا.
متفوقون ولكن كل بأسلوب مختلف
تعد طريقة التعليم في كوريا الجنوبية متطلبة للغاية وتركّز على الحفظ وإجراء الاختبارات في الوقت نفسه تعطي طريقة التعليم في فنلندا الأولوية لنهج مريح وشمولي مع نظرة تجعل الطالب مركز العملية التربوية والتعليمية. ولكن كيف يتمكن هذان البلدان المختلفان من إنتاج مثل هؤلاء الطلاب الناجحين بشكل متكرر باستخدام استراتيجيات تعليمية مختلفة وحتى متناقضة إلى حد كبير؟
يبدو أن نظام التعليم الصارم المطبق في كوريا الجنوبية ناجح ويفضي لنتائج متقدمة، حاله في هذا حال دول أخرى في شرق آسيا مثل سنغافورة واليابان وتايوان. ورغم أن البعض يعتبر هذا النظام الصارم متطرفًا للغاية إلا أن نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب تصنف كوريا الجنوبية بين أعلى 5 مراتب من بين 79 دولة شاركت في برنامج بيسا PISA. وللعلم فإن برنامج بيسا هو برنامج عالمي يتم من خلاله إخضاع نحو 600 ألف طالب في عمر 15 عامًا من مختلف البلدان لاختبار مدته ساعتين لقياس مهاراتهم ومعارفهم خصوصا في العلوم والقراءة والرياضيات. بجوار كوريا الجنوبية في تصنيف بيسا نجد دول مثل فنلندا مباشرة حيث تحتل المرتبة السابعة عموما، على الرغم من أنها تمارس أساليب تعليمية وتربوية مختلفة تمامًا عن كوريا الجنوبية.
في كوريا الجنوبية، من المؤكد أن النجاح في التعليم لا يأتي بسهولة؛ حيث يدفع الطلاب الثمن من خلال الضغط الأكاديمي الساحق والعمل الشاق داخل المدرسة وخارجها. فمن الطبيعي أن يقضي كثير من الطلاب أزيد من 12 ساعة في المدرسة وبعدها يدرسون بمفردهم. يمكن للطالب الكوري أن يقضي ما يصل إلى ما متوسطه نحو 14 ساعة يوميًا في المدارس مدفوعين بضغط أسري ومجتمعي كبير. من المعتاد أن يتعلم الطلاب ويحضروا قبل مناهج التعلم للسنة المقبلة بمعنى أنهم يتدارسون المنهاج قبل البدء بالسنة الدراسية، وهو الأمر الذي يدفع آباء أطفالهم لتسجيل أطفالهم في دورات تدريسية أو معاهد تعليمية خاصة ومكثفة، حيث إن هناك أطفال في المدارس الابتدائية أنهوا مناهج الرياضيات في المدارس الاعدادية، والضغط الأكاديمي هو أمر طبيعي في كوريا. تؤمن العقلية الثابتة للتعليم الكوري بأن عدد الساعات المستثمرة في الدراسة يكافئ الطلاب بدرجة ناجحة، حتى لو كان ذلك يعني التضحية أحيانا بالصحة العقلية والجسدية للفرد.
لكن فنلندا تحكي قصة مختلفة. فهناك تركيز أكبر بشكل ملحوظ على الصحة العقلية للطلاب في المدارس الفنلندية، حيث يتم توفير خدمات التوجيه والمشورة التي تركز على رفاهية الفرد وأنظمة الارشاد والتوجيه تسعى دوما لتعزيز الصحة النفسية للطلاب، ما يعطي نتيجة إيجابية على التحصيل الأكاديمي. لا يتم تزويد الطلاب في فنلندا بنظام توجيه موثوق فحسب، بل لديهم أيضًا متسع من الوقت للراحة بين الفصول الدراسية بالإضافة إلى ساعات دراسية أقصر بشكل عام. قد تبدأ المدرسة من الساعة 9:00 إلى 9:45 صباحًا وتنتهي في الساعة 2:00 إلى 2:45 صباحًا، مع فترات راحة طويلة بين كل حصة وأخرى. الوقت الذي يتم قضاؤه في أداء الواجبات المنزلية خارج المدرسة يكون ضئيلًا أو غير موجود على الإطلاق في السنوات الأولى بالابتدائي، كما أن السماح للطلاب بالاستكشاف خارج الفصل الدراسي أي بين أحضان الطبيعة يعد جزءًا متأصلًا من نظام التعليم الفنلندي. وعلى عكس كوريا الجنوبية، لا يُنظر إلى مقدار الوقت الذي يتم قضاؤه في الدراسة في الفصل الدراسي على أنه المصدر الوحيد للنجاح سواء الأكاديمي أو العملي. لا تركز المناهج المدرسية في فنلندا على المنافسة بين الطلاب، بل تميل نحو محاولة تعزيز نقاط القوة الفردية لدى الطلاب دون مقارنتهم ببعضهم البعض.
العِلم أو العَلامة؟
على عكس المدارس الفنلندية التي تؤمن بخلق بيئة تعليمية غير تنافسية، تستخدم المدارس الثانوية الكورية نظام الدرجات الأكاديمية الذي يقيم الطلاب حسب درجاتهم ويصنفهم في مراكز مرقمة متقابلة. وبطبيعة الحال، يؤدي هذا إلى تعزيز مناخ تنافسي للغاية داخل الجسم الطلابي. يتحمل الطلاب الكوريون أيضاً العبء الذي يلوح في الأفق المتمثل في اجتياز اختبار سونيونج، وهو اختبار وطني موحد يحدد الجامعة التي سيلتحق بها الطالب، وهو ما يعادل اختبار SAT في الولايات المتحدة. يعتبر السونيونج الكوري بمثابة نقطة الانطلاق النهائية والأكثر أهمية في مسيرة الطالب المهنية بأكملها في المدرسة الثانوية، وهو اختبار مدته ثماني ساعات يتحكم في مستقبل الفرد المباشر. يوجد في فنلندا أيضًا اختبار موحد يسمى امتحان شهادة الثانوية العامة الوطني، على الرغم من أنه لا يتم إجراؤه بنفس الشدة التي يتم بها اختبار سونيونج في كوريا. الامتحان غير مطلوب للتخرج من المدرسة الثانوية أو الالتحاق بالجامعة.
الطاقم التدريسي والإداري
يتمتع المدرسون في البلدين بمكانة اجتماعية مرموقة وبرواتب محترمة بسبب صعوبة معايير القبول لوظيفة مدرس في تلك البلدان. البعض يتندّر بالقول إنه من الأسهل أن تحصل على منصب “وزير بالحكومة” على أن تحصل على وظيفة “مدرس” في فنلندا وذلك للاشتراطات الأكاديمية العليا المطلوبة (ماجستير) وبسبب الاختبارات المتعددة المطلوب اجتيازها قبل التعيين. على سبيل المثال، من أصل 100 مُتقدم لشغل وظيفة مدرس ابتدائي عادة ما يتم قبول 8 أشخاص فقط. تتمتع قيادة المدرسة بخبرات متراكمة حيث إن معايير التوظيف تضمن استقرار الموظفين وبالتالي تدوير الخبرات وتداولها وتوطينها ولذلك تجد مستويات الموثوقية بين إدارات المدرسة والمدرسين والأهالي عالية جدا فبالكاد يسأل أولياء الأمور مدرسيهم عن تحصيل أولادهم، فهم على ثقة بان أولادهم بأيد أمينة.
خاتمة
استطاعت دول مثل كوريا الجنوبية وفنلندا كانت تعاني قبل نحو 50 سنة من الآن من تردي الأوضاع المعيشية والتعليمية أن تنتفضان وتشهدان ثورة في مختلف المجالات، بفضل سياساتها التعليمية الناجعة. فكان لدى تلك الدول والقائمين عليها إيمان راسخ بأن شح وفقر الأرض بالموارد الطبيعية يعني شيئا واحدا فقط ألا وهو الاستثمار بالموارد البشرية ولنحصل على شركات تكنولوجية وتجارية رائدة في العالم مقرها كوريا الجنوبية أو فنلندا.