الشهـادة الجامعيـة كالصـلاة إن قبلــت قبــل مـا سواهــا
مسميات المهن تلعب دورا كبيرا في قرارات الزواج
الشهــادات العليــا لا تضمــن سعادة الزوجين
الشروط الاجتماعية تساهم في تأخير وتيرة الزواج
أصحاب الرواتب الأقل عن 400 دينار يواجهون صعوبة في الارتباط
يُعتبر الزواج من القضايا الاجتماعية التي تتأثر بعدة عوامل، منها التحصيل العلمي، والعادات والتقاليد، والظروف الاقتصادية. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مهم: هل يشكل التعليم العالي عائقًا أمام زواج المرأة الأكاديمية؟ ولماذا نجد نسبة من الأكاديميات يعزفن عن الزواج أو يتأخرن فيه؟
يشهد المجتمع البحريني، كغيره من المجتمعات العربية، تغيّرات متسارعة في أنماط الحياة الاجتماعية والاقتصادية، مما انعكس بشكل واضح على توجهات الشباب نحو الزواج، لذا أصبح التأخر في الزواج أو العزوف عنه شبه ظاهرة تستحق البحث والنقاش، خاصة لدى المرأة الأكاديمية التي تواجه تحديات مختلفة تتعلق بالمؤهلات العلمية، وطموحاتها المهنية، والمعايير الاجتماعية التي تحكم الزواج والارتباط.
في لقاء لـ “البلاد” مع الخبير الاجتماعي والتربوي الموفق الأسري سعيد حبيب، نسلط الضوء على الأسباب الرئيسة التي تؤدي إلى تأخر زواج المرأة الأكاديمية، ونناقش الصعوبات التي تواجهها في العثور على شريك مناسب يتفهم طموحاتها، بالإضافة إلى تأثير العوامل الاقتصادية والاجتماعية على عزوف الشباب عن الزواج.
كما نتناول قضايا الطلاق وإعادة الارتباط، والآراء المختلفة حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، ومفاهيم الزواج التقليدي مقابل الزواج عن حب. وفي ما يلي نص الحوار بالكامل...
ما هي الأسباب الرئيسة التي تساهم في تأخر وعزوف المرأة الأكاديمية عن الزواج؟
المرأة الأكاديمية، بطبيعة حياتها الدراسية الطويلة، هي التي تتسبب في تأخرها عن الزواج، خصوصًا من يدرسن الطب أو يكرسن حياتهن للدراسة لفترات طويلة. لذا نجد أن بعض الفتيات يفوتهن القطار، ويظللن في انتظار فارس الأحلام، ذلك الشخص المناسب، إلى فترات لاحقة، وقد تبقى المرأة في دوامة دون زواج.
أما السبب الآخر، فهو المستوى الاجتماعي للفتاة، خصوصًا التي تبحث عن مستوى رفيع وراقٍ، لا سيما من تحمل شهادة الدكتوراه، حيث تطمح في الغالب إلى الارتباط برجل يحمل شهادة دكتوراه أيضًا. وعندما تتأخر الفتاة في الزواج، قد تنهمك في العمل فتعزف عن الزواج تمامًا.
هل تعتقد أن المرأة الأكاديمية تجد صعوبة في العثور على شريك متفهم لمؤهلاتها الأكاديمية وحياتها المهنية؟
نعم، هناك صعوبة كبيرة، لأن كثيرًا من الفتيات بطبيعتهن أكثر جدية في الدراسة، وفي الغالب نجد أنهن يدرسن الطب. واليوم، أصبحت الشهادة الجامعية بمثابة “الصلاة، إن قُبلت قُبل ما سواها”، أو كالمفتاح السحري. وهذا يستدعي تغييرًا في ثقافة الشروط المقيدة وفرص الزواج. المطلوب اليوم وعي اجتماعي يشترك فيه العديد من الفاعلين والنخب وأصحاب القرار.
فيما يتعلق بالمرأة المطلقة، ما هي التحديات التي تواجهها في العودة إلى الزواج؟
من خلال التجارب العملية، إذا لم يكن للمطلقة أبناء، يكون ارتباطها أقل صعوبة مقارنة بالرجل المطلق. في السابق، كانت المرأة المطلقة تواجه صعوبة في الزواج، ولكن مع ازدياد عدد الرجال المطلقين في المجتمع، بات الأمر مختلفًا. لذا، يجب التفريق بين المطلقة الكبيرة في السن والأصغر سنًا. أما إذا تطلقت وهي لا تزال “بكرًا”، فلا تواجه صعوبات كبيرة في الزواج، ولكن التحدي الأكبر يقع على المرأة التي سبق لها الزواج، والأصعب هو حال المطلقة التي لديها عدة أبناء.
كثير من الشباب المطلقين يفضلون الزواج من مطلقة دون أبناء، والعكس صحيح، إذ تفضل المرأة المطلقة الرجل المنفصل الذي لا يعول أطفالًا. وهذا يُعد شكلًا من الأنانية مع الأسف.
أما وضع المرأة المطلقة اليوم، فيُعتبر جيدًا إذا كانت تعمل أو تحصل على راتب شهري، مما يجعلها تفضل عدم الزواج، خصوصًا إذا كان لديها أبناء، أو تخشى من تكرار تجربة زواج فاشل.
ما هي الأسباب الرئيسة التي ترى أنها تساهم في عزوف الشباب عن الزواج؟
عدم توفر عمل مناسب للشاب هو أحد أهم أسباب العزوف عن الزواج، إضافة إلى الرواتب المتدنية التي تقل عن 400 دينار، مما يعيق الشباب عن الارتباط. كذلك عدم توفر سكن مستقل، هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى تراجع الرغبة في الارتباط.
ما رأيك في الزواج عن حب؟ وكيف كانت تجارب زواج الحب مقارنة بالزواج التقليدي؟
هناك فرق بين زواج الحب وزواج الإعجاب. لكن دعني أقول لك إن زواج الحب يخفي العيوب، وإذا جاء الحب في المكان الصحيح، فإنه يتجاوز مرحلة الزواج الفاشل. ومع ذلك، نجد أن 70 % من زيجات الحب تفشل، على عكس زواج الإعجاب أو الزواج التقليدي.
لكن، تجدر الإشارة إلى أن بعض المشاكل تظهر لاحقًا، فمثلًا قد تكون الزوجة مهتمة بعملها بشكل أكبر، وتعتبر الزواج شيئًا تكميليًا، أو قد يصبح أحد الطرفين متزمتًا دينيًا، مما يؤدي إلى عدم الانسجام مستقبلًا. في بعض الحالات، يكون الزواج نتيجة ثقة عمياء دون التحقق من سلوكيات الطرف الآخر، مما يؤدي لاحقًا إلى مشاكل جوهرية.
هل تؤثر تجربة الطلاق السابق في اتخاذ قرار العودة إلى الزوج مرة أخرى؟
نعم، تؤثر، لأن تجربة الطلاق أو وجود حالة طلاق في العائلة تؤدي إلى عزوف الفتاة أو عدم رغبتها في الارتباط، وكذلك بالنسبة إلى المرأة إذا كانت متزوجة وانفصلت بسبب تجربة زواج قاسية ناتجة عن سلوك الزوج السيئ.
ولأجل العودة إلى الزواج مرة أخرى، تحتاج المرأة إلى وقت طويل لترميم الجراح، خصوصًا كون الأنثى عاطفية، والجرح الناتج عن الزواج القاسي يحتاج إلى فترة للتغلب عليه.
كما تحتاج المرأة المطلقة بعد الطلاق إلى دعم معنوي ووقوف العائلة إلى جانبها أو اللجوء إلى مرشد نفسي في حال كانت تعاني من ضغوط نفسية، وذلك لمعالجة آثار التجربة القاسية.
بالنسبة إلى المؤهل الأكاديمي، هل تجد أن هناك تباينًا في آراء المجتمع حوله كشرط أساس للزواج؟
نعم، يوجد تباين، ولكن الأغلبية الساحقة ترى أن الشهادة الجامعية اليوم أصبحت شرطًا أساسًا أو واجبًا على الزوج. ونجد اليوم أن حاملة شهادة البكالوريوس لا تقبل بالزوج حامل الشهادة الثانوية، مما جعل أغلب الشباب حاملي الشهادة الثانوية يعانون معاناة كبيرة بسبب عدم القبول. لذا، باتت الشهادة كالصلاة، ولذلك نحتاج إلى دور اجتماعي من قبل رجال الدين ومؤسسات الإعلام، كالصحافة والتلفزيون، لتصحيح المفاهيم وتغيير ثقافة هذا الجيل.
هل تعتقد أن الانفتاح على وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الرقمية ساهم في التأثير على قرارات الزواج وكذلك في التفكك الأسري؟
نعم، بنسبة 100 %. فقد شكلت وسائل التواصل الاجتماعي ثقافات جديدة، ومنها الرغبة في تأخير الزواج، حتى أن البعض يتساءل: لماذا أتزوج؟ ومع الأسف، بعض الفتيات لديهن قناعة أو اعتقاد خاطئ بأن الزواج يقيّد حرية المرأة بسبب مسؤوليات تربية الأبناء، وهذا الأمر لم يكن موجودًا في السابق. كما أن الثقافات المستوردة من “السوشيال ميديا” والمسلسلات والدراما ساهمت في تغيير الوعي الاجتماعي لدى البعض، وأصبحت الذهنية العامة تتغير نتيجة تراكم أفكار سلبية في العقل الباطن، حتى باتت بعض الأفكار كالسموم التي تؤثر على ثقافة الناس.
هل تعتقد أن تأجيل الزواج أصبح خيارًا أكثر قبولًا؟ وما أبرز الأسباب التي تقف وراء هذا التوجه؟
في السابق، لم تكن هناك ظاهرة تأخير الزواج، أما اليوم، فأصبح هناك قبول لمسألة العزوبية في المجتمع، وهي طامة كبرى حين يتم تشجيع فكرة وجود مجتمع من العزّاب. وعند الرجوع إلى القرآن الكريم، نجد أنه تناول العديد من الآيات التي تحث على الزواج. أما ظاهرة العزوبية، فهي ثقافة جديدة تحتاج إلى التصدي لها من قبل الفاعلين في المجتمع، حتى لا تكون لها نتائج سلبية في المستقبل على المجتمع.
هل تعتقد أن مشاريع الزواج الجماعي ساهمت في إيجاد حلول وتسهيلات للراغبين في الزواج؟
مشاريع الزواج الجماعي لها من يؤيدها ومن يعارضها، ذلك أن المقبلين على الزواج بحاجة إلى تأهيل مسبق قبل الزواج. ومن وجهة نظري، فإن مشاريع الزواج الجماعي تحتاج اليوم إلى إعادة صياغة.
ما هي الحلول التي يمكن اتخاذها لتشجيع الشباب على الزواج والتقليل من ظاهرة العزوف؟
اليوم، نحتاج إلى جوانب معنوية ومادية لتشجيع المقبلين على الزواج، وذلك من خلال الترغيب أو تقديم مكافآت لدعم الزواج، إلى جانب التشجيع على الزواج المبكر للشباب.
هل المهن الحرفية مثل العمل في الميكانيكا أو صيد السمك تؤثر على قرارات الزواج؟
نعم، توجد نماذج زواج ناجحة لأصحاب المشاريع الصغيرة والبسيطة التي يُنظر إليها بازدراء، حتى إن بعض هؤلاء الشباب لديهم دخل مادي أفضل من بعض الموظفين الحاصلين على الشهادات الجامعية في القطاعات المكتبية الأخرى. ولكن مع الأسف، الكثير من الفتيات يرفضن أصحاب المهن الحرفية المتواضعة حتى وإن كان دخلهم المالي ممتازًا. ومع الأسف، أصبحت مسميات المهن تلعب دورًا في قرارات الزواج.
ما هي أبرز المهن التي يفضلها الذكور للزوجة البحرينية؟
أغلب الشباب يفضلون المعلمات العاملات في الحقل التربوي أو التعليمي، وهي ثقافة سائدة منذ سنوات طويلة في البحرين، لأن المعلمة تعمل بدوام ثابت وفي بيئة بعيدة عن الاختلاط بالجماهير.
ما هي أكثر المشاكل التي تؤدي إلى الطلاق في البحرين؟
نسبة الطلاق في ارتفاع بسبب سوء الاختيار وعدم السؤال عن الفرد المتقدم للزواج. وبحسب التقديرات، فإن نسبة الطلاق في المجتمع البحريني تتجاوز 30 %. كما أن هناك أسبابًا أخرى، مثل الطلبات المرهقة على الزوج، والمثالية الزائدة وعدم الواقعية، بالإضافة إلى الجانب المادي كالقروض والالتزامات المالية التي تؤثر على استقرار الزواج. كذلك، الحب الأعمى والغيرة الزائدة يؤديان إلى الطلاق.
ماذا تقول لمن يضع شرط الجمال أولًا للزواج؟
جمال الشكل لا يغني عن جمال الأخلاق، لأن جمال الوجه متغير مع مرور الزمن، فقد يذبل أو يعتاد الفرد عليه. لذلك، يبقى جمال الخلق هو الأهم. ومع ذلك، فإن أغلب الشباب يفضلون الفتاة البيضاء الجميلة الرشيقة، كما أن بعض الفتيات يفضلن الرجل الحاصل على شهادة جامعية والذي يعمل في وظيفة مرموقة، وأخيرًا أن يكون وسيمًا.
هل توجد ظاهرة عزوف عن الزواج بين الجنسين في البحرين؟
لا توجد ظاهرة عزوف ملموسة بالنسبة إلى الذكور، ولكن هناك تأخير في الزواج بينهم. أما بالنسبة إلى النساء، فقد بدأت تتشكل ظاهرة شبه عزوف لعدة أسباب، منها الدراسة الطويلة أو الخوف من التجارب الفاشلة. ولكن دعني أشير إلى نقطة مهمة، وهي أن تأخير الزواج بالنسبة إلى الرجال يجعل خيارات الارتباط أكثر صعوبة مع مرور الزمن. ومع ذلك، هناك في البحرين فئة من مواليد منتصف الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات (من عام 1985 وحتى عام 1995) ليس لديهم رغبة في الزواج.
هل يشكل زواج البحريني من الخارج ظاهرة بسبب بعض المعوقات الموجودة في الداخل البحريني؟
من الصعب تصنيف زواج البحريني من الخارج كظاهرة، ولكن الكثير من شبابنا تزوجوا من خارج البحرين لأسباب مختلفة، منها أن الزوج يبحث عن مواصفات محددة في المرأة، أو نتيجة تجربة زواج فاشلة فيلجأ إلى الزواج من الخارج. والأسباب كثيرة ومتعددة.
ما هي الرسالة التي تود توجيهها للمجتمع البحريني بشأن فهم تحديات وتأخير الزواج لدى المرأة الأكاديمية أو المطلقة؟
تقليل الشروط المقيدة للزواج يحتاج إلى إعادة نظر في البحرين، ونحن بحاجة اليوم إلى وعي اجتماعي أكبر. ويجب على المؤثرين والنخب الفاعلة في البحرين، وكذلك المقبلين على الزواج، تغيير الأولويات وعدم فرض شروط معقدة تعيق الزواج. كما يجب ألا يكون العمل عائقًا أمام مشروع الزواج.
الزواج لم يكن يومًا ما عائقًا أمام الإنسان لتحقيق طموحاته، وأود التأكيد للقارئ الكريم أن الزواج يفتح آفاقًا جديدة للغنى المادي والفكري.