منذ التسعينيات وحتى يومنا هذا، ما زالت الأسواق المتنقلة في قرى ومناطق مملكة البحرين تحظى بشعبية واسعة، رغم التوسع الكبير في المحلات التجارية الثابتة والمجمعات التجارية، وأصبحت مقصدًا لروادها من أهالي المنطقة نفسها أو حتى من المناطق البعيدة، ولها جدول يومي محدد متعارف عليه بين الباعة والمشترين لأيامها الممتدة طوال الأسبوع، كل يوم في منطقة مختلفة.
وتستعرض السوق المتنقلة العديد من البضائع المحلية أو المستوردة من الخارج، ولا تقتصر على الملابس فقط كما كانت في بداياتها، بل توسعت لتشمل الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب، والأطعمة الخفيفة، والألعاب، وحتى المستلزمات المنزلية وأدوات المطبخ والأجهزة الإلكترونية وملحقاتها.
واللافت في الموضوع أنه على مر السنين، لم يكن السوق مجرد مكان للبيع والشراء، بل صار شاهدًا على الزمن، فالبائع الذي استقر في ركنه لعقود، رأى زبائنه يكبرون أمام عينيه، والطفلة التي كانت تمسك بيد والدتها لتشتري حاجياتها، عادت اليوم امرأة، لكنها لم تأتِ وحدها، بل جاءت ممسكة بأيدي أطفالها، لتكمل دورة الحياة في السوق، وفي هذا الصدد، تحدثت “البلاد” مع الباعة في السوق لمعرفة سبب استمرارهم في عرض بضائعهم فيه رغم التقلبات الصعبة التي قد تجرى عليه.
وفي هذا الصدد، أشار البائع جعفر الشاخوري إلى أنه يعرض بضائعه في الأسواق المتنقلة منذ التسعينيات، مبينًا أنه في ذلك الزمن كان السوق يحظى بدعم كبير من سمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، أمير دولة البحرين السابق -رحمه الله-، موضحًا أن إقبال النساء على السوق أكثر من الرجال، لافتا إلى أن الباعة هنا يحرصون على مراعاة الزبائن في الأسعار، حرصًا منهم على تمكينهم من الشراء.
وعن المنطقة التي يفضلها، أجاب الشاخوري بأن جميع المناطق تكون منتعشة خلال فترة المواسم وفيها يكثر الإقبال، أما في غير ذلك، فإنهم يغادرون المكان “بخفي حنين”، إلا أنه يفضل الأسواق في منطقتي مدينة حمد وسترة.
ومن جانب آخر، أشار البائع محمد حسن إلى أنه يبيع العطور والبخور في الأسواق المتنقلة منذ 25 عامًا، وخلال تلك الأعوام تمكن من تطوير نفسه في هذا المضمار، مردفا: “أنا الحمد لله بخير ونعمة، لكن البيع في الأسواق هواية، وقعدة البيت تُكسِر، والواحد لما يتحرك تتغير معنوياته أكثر وأكثر”، لافتًا إلى أن منطقة مدينة حمد هي السوق الأقرب إلى قلبه.
وبيَّن عزيز طارش، وهو بائع إكسسوارات وألعاب أطفال، أنه أكمل حوالي 15 عامًا في البيع في السوق، وما يدفعه للاستمرار هو حبه لرؤية الأطفال وابتسامتهم التي تجلب له الراحة النفسية، مبينًا أن زبائنه الصغار سابقًا أصبحوا يأتون الآن مع أطفالهم للشراء منه، مشيرًا إلى أنه يفضل سوق منطقة مدينة حمد.
أكثر من 15 عامًا قضاها البائع علي جمعة متنقلًا بين الأسواق، وفي حديثه عن أكثر المواقف تكرارًا، أشار إلى أن الزبائن قد ينسون حاجياتهم المدفوعة الثمن لديه، وتبقى لديه لمدة من الزمن دون أن يحضر الزبون لاستعادتها، لافتًا إلى أن إحدى تلك البضائع ما زالت لديه في شاحنته المتنقلة لما يقارب عامًا ونصف العام، وصاحبتها لا تجيب على الهاتف، وعن الطريقة التي يتواصل بها مع باقي البائعين، أجاب بأن لديهم قروب “واتساب”، من خلاله يتحدثون عن أي مستجدات تتعلق بالسوق، مشيرًا إلى أنه يفضل سوق مدينة حمد.
أما أبو ماريا، فقد أشار إلى أنه جديد على السوق، وقد قضى فيها حتى الآن قرابة 7 سنوات فقط، إلا أنها أصبحت منزله الثاني بحكم علاقته مع زبائنه الذين اعتادوا الحضور إليه من كل مكان، مشيرًا إلى أن زوجته ماهرة في التصميم، لذا عمد إلى تنفيذ أعمال حصرية لهم وخياطتها وعرضها في السوق، لافتًا في هذا السياق، إلى أنهم تخصصوا في الملابس الشعبية الخاصة بهم، فضلًا عن استيراد الملابس التركية الراقية بأفضل جودة وبأسعار متنوعة.
وأكد أن التعب الذي يبذله البائع الجوال أكثر من أصحاب المحلات، كونه يستقل سيارة شحن ويقوم بتركيب تعليقات الملابس الحديدية، ثم يقوم بصف الملابس عليها، وبعد الانتهاء يقوم بإزالة كل شيء مجددًا، فضلًا عن أن البائع هو من يتحمل دفع الضرائب الجمركية عن الزبون، لذا فإن ذلك ما يبرر ارتفاع الأسعار في بعض الأحيان، إلا أنه، وبحسب قوله، فإن الأسعار في هذه السوق ما زالت أرخص عن غيرها.
وختامًا، أشار البائع رضا عبدالنبي إلى أن البائع الجوال يجب أن يكون مرنًا مع زبائنه فيما يتعلق بالأسعار، حيث إنه حريص على بيعهم بما يتوافق مع مستوى دخلهم، لافتًا إلى أنه تمكن خلال فترة عمله في الأسواق المتنقلة، والتي امتدت لحوالي 11 عامًا، من تكوين شبكة زبائن تحرص على الشراء منه، كونهم يعرفون الماركات والمنتجات التي يوفرها، مؤكدًا إن سوق مدينة حمد هي الأفضل بالنسبة له.