إعادة قراءة السيرة النبوية مفتاح للوسطية والاعتدال الإسلام والليبرالية.. رؤية نقدية لفصل الدين عن السياسة من غزة إلى الأمة الإسلامية.. دعوة للتضامن والموقف الموحد المشروع يهدف لتصحيح الأفكار المتطرفة وإخماد الفتن    قال رئيس المجلس الأعلى لمنظمة منهاج القرآن الدولية، وعميد كلية الحقوق بجامعة المنهاج في لاهور بجمهورية باكستان، د. حسن محيي الدين القادري، إن التوصيات التي خرج بها الحوار “الإسلامي الإسلامي.. أمة واحدة ومصير مشترك” جاءت في توقيت هام لخدمة الأمة الإسلامية، نظرًا لما تمر به منطقة الشرق الأوسط من منعطفات خطيرة. إذ تُعتبر توصيات المؤتمر حجر أساس لرسم خارطة طريق للسلام والأمن ضمن مشروع كبير لخدمة الأمة الإسلامية التي تعاني العديد من التحديات. ووصف القادري، خلال حوار مع جريدة البلاد، “الحوار الإسلامي الإسلامي” بالحديقة العطرة للسلام والتعايش السلمي لكافة التيارات الفكرية والمذاهب الإسلامية، حيث كانت أهداف المؤتمر واضحة للجميع منذ البداية لتحقيق التوافق والاتحاد الإسلامي نحو الحفاظ على راية الأمة الإسلامية.  كما أشاد بما جاء في التوصيات وبيان أهل القبلة لرص صفوف المسلمين وإنهاء الشتات والفرقة، وتوحيد التيارات العلمية والفكرية تحت مظلة التعايش بين الأمم الإسلامية.  وأضاف أن اللبنة الأساسية مما تم تناوله في جلسات المؤتمر بلورت عدة أفكار لإنهاء الفرقة والشتات بين المسلمين أنفسهم، من خلال تقريب المزيد من وجهات النظر بين الفقهاء ورجال الدين والمفكرين. أدب الاختلاف وفي سياق ذلك، أشار القادري إلى أن آيات القرآن الكريم تناولت في العديد من السور ضرورة الاتحاد والوحدة بين الناس، إلى جانب أدب الاختلاف، مستشهدًا بحديث الرسول الأكرم (ص): “اختلاف أمتي رحمة”، ومن هذا المنطلق يجب على الناس تعلم أدب الاختلاف من باب الرحمة، وليس من منطلق الصراعات بين أفراد الأمة الإسلامية. ودعا ممثلي المذاهب والتيارات الإسلامية إلى الجلوس على طاولات الحوار لمناقشة بعض الإشكاليات وتصحيح بعض المفاهيم من خلال تبادل وجهات النظر بشأن الأيديولوجيا والأفكار المختلفة، مؤكدًا في الوقت ذاته أن القرآن الكريم شدد في العديد من الآيات على الرحمة والتعايش والتسامح واحترام الآخرين. ولفت إلى أن التمسك بالأيديولوجيا أمر مشروع، كما أن وجود عدة مذاهب وطوائف إسلامية من حقها التمسك بهويتها المذهبية، ولا يحق لأي فرد إقصاء أي طرف يختلف معه في الدين، كما لا يحق لأي طرف الاعتقاد بأن الآخر المختلف معه على باطل، لأن أساس الدين الرحمة والتوافق والتسامح، كما جاء في آيات القرآن الكريم. وشدد القادري على ضرورة حل كافة الإشكاليات من خلال لغة الحوار، لأن الحروب لا تستطيع حل الأزمات، بل وجدنا أن الحروب سبب للدمار، في حين أن المناقشة تؤدي إلى توافق ورسم خارطة طريق لأي إشكالية. وأشاد بالرعاية السامية لملك البلاد المعظم صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، لإقامة الحوار “الإسلامي الإسلامي” والعديد من المؤتمرات التي استضافتها المنامة سابقًا لتعزيز التقارب بين الأديان، مما يؤكد أن كافة التيارات قادرة على التوصل إلى حلول من خلال المناقشات والعمل بتوصيات المؤتمرات بغية تحقيق الوحدة الإسلامية، وصولًا إلى الوحدة الحقيقية لمصير الأمة. الإسلام والليبرالية وبشأن فصل الدين عن السياسة وتطبيق العلمانية للتعايش السلمي بين الأمم ومختلف المذاهب، قال القادري إن العلمانية والليبرالية أيديولوجيات مستوردة للشرق من الخارج، وإن الأفكار الوضعية ليست من الإسلام. وأشار القادري إلى أنه تناول في أحد بحوثه العلمية العميقة، في أحد كتبه، دستور المدينة المنورة لمواجهة الأفكار الفلسفية والآراء التي تدعو إلى فصل الدين عن السياسة أو تطبيق العلمانية. موضحًا أن “يثرب”، المدينة المنورة سابقًا، عاشت فيها عدة ديانات وطوائف ومذاهب، وكان للنبي محمد (ص) دور في جعلها مركزًا للحضارة والثقافة. إذ يُعتبر الرسول الأكرم أول من أعطى الحقوق في كافة المجالات، وجعل الناس تعيش تحت مظلة التعايش السلمي، وأسس دولة منظمة تحت مظلة الدستور. وكان الرسول (ص) حاكمًا لدولة المدينة المنورة التي ضمّت أكثر من 20 قبيلة متعددة الديانات، منها اليهودية، والنصرانية، والإسلامية، والوثنية، وغيرها من الديانات الأخرى التي عاشت تحت مظلة الأمة الإسلامية. وأردف أن من مميزات دستور المدينة المنورة أنه أعطى فكرة عدم المركزية في الرأي، حيث نجد أن دستور المدينة اعتمد على الاهتمام بالفرد والجماعة، إلى جانب الاهتمام بالموقع الجغرافي للمدينة والحفاظ على الهوية. رسالة الرسول وعلى الصعيد عينه، أوضح القادري أن الرسول الأكرم (ص) يُعتبر أول من حافظ على موارد الدول الإسلامية والأنظمة التجارية، إلى جانب تعيين الوزراء والسفراء. لذا نجد أن التاريخ الإسلامي غني بالعلوم والمعارف وتأسيس الأنظمة المالية وأنظمة التكافل الاجتماعي، وتحديد الأنظمة التي يسير عليها العالم اليوم. وتابع أن الرسول (ص) كان أول من أسس الأنظمة القضائية والأصول العامة لأنظمة الحكم والسيادة، وكذلك نظام الفدية، وحماية الدولة وتأمينها من خلال المبادئ والمواثيق عبر التحالفات. كما أسس الرسول حقوق الإنسان والمواطنة والمساواة وحقوق المرأة من خلال التصويت على دستور المدينة، إضافة إلى تعيين المرأة في المهام الإدارية. الأمر الذي استفادت منه الدساتير المعاصرة اليوم. وأشار إلى أن الغرب ساهم في تمكين المرأة منذ بداية عام 1915، بينما الإسلام أعطى المرأة حق التصويت منذ 1450 سنة. لذا نجد أن الدولة الإسلامية منذ زمن الرسول منحت حق الرأي، وحق التنقل، والملكية، والعدالة، والقصاص، إلى جانب حق الديانة، وفق نظام سياسي سلمي شامل. “بيت إبراهيم” وعن حاجة المسلمين إلى مشروع “إسلامي إسلامي” لتوحيد صفوف الأمة الإسلامية، كشف القادري عن أنه أعد مشروعًا باسم “بيت إبراهيم”، انطلاقًا من الآية القرآنية الكريمة: “إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ”. وذلك بهدف تأسيس مركز علمي يجمع كافة الديانات والطوائف الإسلامية لمناقشة الأفكار وصياغة رؤى وسطية معتدلة للقضاء على الأفكار المتطرفة التي يعاني منها العالم الإسلامي. وأشار إلى أن مشروع “بيت إبراهيم” سيكون بمثابة حديقة للسلام والتعايش السلمي لكافة المذاهب، من خلال جمع العقلاء والفقهاء ورجال الدين والفكر للإجابة على التساؤلات المعقدة عبر سلسلة من الحوارات لممثلي الديانات والطوائف والتيارات، وذلك لصياغة مشروع جديد يمكن من خلاله إنهاء المشاجرات والخلافات بين بعض الطوائف الإسلامية. حيث إن الحوار والنقاش العلمي هو أساس هذا المشروع الذي سيساهم في تصحيح الكثير من الأفكار وإخماد الفتن التي أضرت بالمسلمين. رسالة إلى الشباب وفي ختام اللقاء، دعا القادري فئة الشباب إلى فهم الوسطية والاعتدال من خلال التفكر والتدبر وقراءة القرآن الكريم، إلى جانب الابتعاد عن التشدد والتطرف الفكري والسلوكي، من خلال التعلم والمعرفة والاطلاع على السيرة النبوية وتعاليم الدين. كما دعا إلى إعادة النظر في بعض المناهج التعليمية في الجامعات والمدارس، مع ضرورة وضع مناهج تعليمية وسطية لطلبة العلوم الدينية، لمعالجة العديد من الأفكار الخطيرة المتطرفة. أما بشأن ما يجري في قطاع غزة والدولة الفلسطينية، فقد شدد على ضرورة وجود موقف إسلامي لدعم المستضعفين وضحايا الحرب في غزة، لإنهاء معاناة العديد من الأفراد والأسر التي تضررت بسبب الحرب.