التعريفة الجمركية أصبحت أداة معتادة لأميركا لكبح جماح تنمية الصين ستؤدي السياسة الأميركية الجديدة  إلى تفكيك الاقتصاد الأميركي انخفض الدولار حتى الآن هذا العام بنحو 4 % مقابل سلة من العملات   منذ أن أشعلت إدارة ترامب نيران حرب تجارية أحادية مع الصين في عام 2018، أصبحت التعريفة الجمركية أداة معتادة للولايات المتحدة لكبح جماح تنمية الصين. في 1 فبراير 2025، متذرعًا بقضية الفنتانيل كحجة، وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًّا بفرض تعريفة جمركية بنسبة 10 % على السلع المستوردة من الصين بالإضافة إلى التعريفات الجمركية الحالية. وفي 3 مارس، أعلنت الإدارة الأميركية أنها ستفرض مرة أخرى تعريفة جمركية بنسبة 10 % على الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة، لتصل النسبة المجمعة إلى 45 % كحد أقصى، وهو عبارة عن تصعيد آخر بعد جولات من العقوبات السابقة. في مواجهة سياسة التعريفة الجمركية غير المعقولة التي تتبعها الولايات المتحدة، رفعت الصين دعوى قضائية رسمية ضد الجانب الأميركي من خلال آلية تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية، ووفقًا لتشريعات التعريفة الجمركية الصينية واللوائح والمبادئ الأساسية للقانون الدولي، فإنها قررت فرض منذ 10 مارس رسومًا جمركية على جزء من الواردات الأميركية. وبالنظر إلى التاريخ، نجد أن منطق الحرب التجارية الأميركية مع الصين لم يتغير، وهو إعادة بناء السلاسل الصناعية العالمية سعيا لعودة الصناعات التحويلية إلى أميركا من خلال الإجراءات الأحادية والحمائية للحفاظ على موقعها المهيمن. ومع ذلك، فقد أظهرت هذه الاستراتيجية أولى علامات ضعفها في عام 2018. في ذلك الوقت، تعاملت الصين مع التأثيرات قصيرة الأجل من خلال مواجهة التعريفات الجمركية الإضافية وتنويع مصادر الاستيراد وتعزيز الابتكار العلمي والتكنولوجي. وفي الآونة الأخيرة، عادت الولايات المتحدة إلى حيلها القديمة، غير أن العيوب في منطق سياستها ستكون أكثر بروزًا في عام 2025. وستؤدي سياسة التعريفة الجمركية الأميركية إلى مأزق حقيقي. أولاً، ستؤدي السياسة الأميركية الجديدة إلى تفكيك الاقتصاد الأميركي، لأنها تقوض النظام المالي القائم على الدولار بشكل خطير، ما سيؤدي إلى التضخم والركود، ويوجه ضربة قوية للاقتصاد الأميركي. وقد انخفض الدولار حتى الآن هذا العام بنحو 4 % مقابل سلة من العملات، وانخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الأميركي بنحو 4 %. وقد أصدر معهد كيل الألماني دراسة أظهرت أن الرسوم الجمركية الأميركية على الصلب والألومنيوم ستجلب خسائر كبيرة للاقتصاد الأميركي، حيث من المتوقع أن يرتفع معدل التضخم الأميركي بنحو 0.41 %، وأن تنخفض الصادرات بنسبة 1.37 %. وأشار تحليل صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية أنه بسبب سياسة التعريفة الجمركية الأميركية وعدم اليقين في التوقعات الاقتصادية، إذ شهدت سوق الأسهم الأمريكية والدولار الأميركي تراجعا حادا. ثانياً، تتفاقم الخلافات مع الحلفاء والدول المجاورة. أعلن الاتحاد الأوروبي 12 مارس عن تدابير مضادة ضد الولايات المتحدة، وقرر فرض رسوم جمركية مضادة على سلع أمريكية بقيمة 28 مليار دولار الأميركي، وأصدر 19 مارس خطة عمل صناعة الصلب والمعادن، التي تهدف إلى تعزيز القدرة التنافسية للصناعة الأمريكية، للتعامل مع التأثيرات المحتملة للتعريفات الإضافية على الصلب. وحذرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاجارد من أن التغييرات في السياسة التجارية الأميركية قد تؤدي إلى تراجع النمو الاقتصادي في منطقة اليورو وارتفاع مستويات التضخم. في الآونة الأخيرة، عقد عدد من البنوك المركزية، بما في ذلك بنوك اليابان وبريطانيا وسويسرا، اجتماعات سياسية لمناقشة الردود على حالة عدم اليقين بشأن السياسة الأميركية، حيث إن التعريفات الجمركية الأميركية على السيارات هي ”هجوم مباشر“ على كندا والعمال الكنديين، وأن كندا ستنشئ صندوق استجابة استراتيجية بقيمة 1.4 مليار دولار لحماية صناعة السيارات الكندية، التي تهددها التعريفات الأميركية. وأخيرًا، فإنها تقوض الاستقرار والنمو الاقتصادي العالمي. إن فرض الولايات المتحدة للتعريفات الجمركية من جانب واحد هو انتهاك صارخ لقواعد التجارة متعددة الأطراف وسيضعف سلطة وفعالية النظام التجاري متعدد الأطراف ويعطل التجارة العالمية. وأظهر استطلاع بنك أوف أميركا أن وتيرة انسحاب رؤوس الأموال من أسواق الأسهم العالمية في شهر مارس بلغت أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات. ويبحث المستثمرون العالميون عن فرص جديدة في أماكن أخرى في الوقت الذي يحللون فيه التأثيرات المحتملة لحرب التعريفات الجمركية والتحولات في السياسة الأميركية. يشير الخبير الاقتصادي البريطاني جون روس إلى أن الولايات المتحدة تحاول الانغلاق على نفسها خلف الحواجز الجمركية بسبب افتقارها إلى القدرة التنافسية، ولكن معظم دول العالم لن تفعل ذلك، وخاصة الدول الأسرع نموًّا في جنوب العالمي، والتي لا تنوي التخلي عن العولمة كاستراتيجية ناجحة. وباختصار، أصبحت الولايات المتحدة الأميركية أكبر مصدر خطر لانتعاش الاقتصاد العالمي. فالسعي وراء شعار “أميركا أولاً” يقوض قواعد التجارة الحرة، ويعطل سلاسل الإنتاج والتوريد العالمية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة أيضًا، وسيضر في نهاية المطاف بالولايات المتحدة نفسها والمستهلكين الأمريكان. رد الصين القوي أولاً، تدافع الصين عن مصالحها الاقتصادية أمام الغطرسة الأميركية بحزم وعن التعددية القطبية ومن خلال الدبلوماسية متعددة الأطراف. وتصر الصين على مواجهة الحمائية التجارية في إطار منظمة التجارة العالمية. وردًّا على إجراءات زيادة الضرائب الأميركية في 3 مارس، اتخذت الصين إجراءات قضائية في منظمة التجارة العالمية في غضون 24 ساعة، وانضمت إلى الاتحاد الأوروبي واليابان واقتصادات أخرى لحماية قواعد التجارة متعددة الأطراف بشكل مشترك بما يعكس احترام الصين للقانون الدولي والنظام الدولي متعدد الأطراف، ويسلط الضوء على المأزق الأميركي بسبب عزل نفسها عن المجتمع الدولي. ثانيًا، تعزز الصين الابتكار المستقل والارتقاء الصناعي باستمرار. فقد زادت الحكومة الصينية من دعمها للابتكار العلمي والتكنولوجي لزيادة القيمة المضافة للمنتجات، وأحرزت تقدمًا ملحوظًا في مجالات التكنولوجيا العالية مثل سيارات الطاقة الجديدة والخلايا الكهروضوئية والرقائق. تحت العقوبات الأميركية ، بلغ إنتاج الصين من سيارات الطاقة الجديدة ومبيعاتها أعلى مستوياتها عام 2024، حيث تجاوز 10 ملايين سيارة سنويا لأول مرة، لتحتل المرتبة الأولى في العالم. وقد حققت صناعة الرقائق في الصين اختراقات في التصنيع والتصميم، وسيصل معدل الاكتفاء الذاتي للرقائق إلى أكثر من 20 % في عام 2024. وأخيرًا، تتبع الصين استراتيجية تنويع الأسواق لتحقيق استقرار التصدير للحد من تأثيرات الصدمات الخارجية. فمن ناحية، تعمل على توسيع الطلب المحلي، وتنشيط السوق المحلية من خلال اتخاذ سياسات وإجراءات تحفيز الاستهلاك، واستخدام الطلب المحلي للتحوط ضد المخاطر الخارجية، حيث يساهم الاستهلاك بأكثر من 80 % من نمو الناتج المحلي الإجمالي عام 2023. ومن ناحية أخرى، ومن خلال توسيع الأسواق الدولية، تعمل الصين بنشاط على استكشاف الأسواق الناشئة مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، مع خفض الحواجز الجمركية وغير الجمركية وزيادة مرونة سلاسل التوريد الإقليمية من خلال الانضمام إلى اتفاقيات التعاون الإقليمي ومناطق التجارة الحرة. وقد أضرت الزيادات الأخيرة في التعريفات الجمركية بجميع مصالح الأطراف بما فيها الولايات المتحدة الأميركية نفسها، بحيث لن تحقق الهدف المرجو. من ناحية أخرى، حافظت الصين على نمو اقتصادي مستقر وأثبتت مرونتها الاستراتيجية من خلال تعزيز الابتكار المستقل، وتحسين الهيكل الصناعي، وتوسيع الأسواق الدولية وغيرها من التدابير لمواجهة الضغوط الخارجية. وفي المستقبل، ستواصل الصين الإصرار على الإصلاح والانفتاح وتعزيز التنمية الاقتصادية، مع تعزيز التعاون الدولي وحماية النظام التجاري متعدد الأطراف، وذلك من أجل تقديم إسهامات أكبر في استقرار الاقتصاد العالمي وتنميته.   أستاذ بمعهد الدراسات شرق الأوسطية في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية