عمان- ما إن يعود الطفل إلى البيت بعد يوم دراسي طويل، حتى يسارع بالحديث مع والدته عن بعض المواقف التي حدثت له مع زملائه، سواء كانت تنمرا أو إساءة شخصية أو اعتداء جسديا.
وهنا تختلف ردود فعل الأمهات؛ تحاول بعضهن تهوين الأمر على الطفل، وتشجيعه على أخلاقيات التسامح وإيجاد الأعذار، بينما تختار أخريات التعامل بحزم وقوة، وتحريضه على الدفاع عن نفسه وحقوقه.
تقول والدة آدم، وهو طفل في العاشرة من عمره، إن المعلمات يتحدثن عن سلوكه العدواني تجاه بعض زملائه، لكنها تراه مجرد رد فعل على ما يتعرض له من تنمر وإساءة من قبل طلاب أكبر منه سنا.
كانت في السابق تشجع ابنها إلى التصرف بأدب، وتجنب أي شكل من أشكال الإساءة، إلا أن الأمور تغيرت عندما عاد في يوم من الأيام من المدرسة ولديه إصابة في وجهه، حيث تعرض للضرب من أحد زملائه.
لم يدافع عن نفسه، ولم يبادر حتى بتقديم شكوى للمعلمة المسؤولة، بل اكتفى باللجوء إليها وهو يبكي وينتابه القهر.
حينها، اضطر والده إلى الذهاب للمدرسة وتقديم شكوى رسمية، ثم بدأ يغرس في ابنه أهمية حماية نفسه وعدم السماح لأي شخص بتوجيه الإساءة له. ومع مرور الوقت، تحول آدم إلى طفل مندفع، يدافع عن نفسه قبل أن يتعرض لأي إساءة، لدرجة أنه أصبح يوصف بـ"المشكلجي".
ما بين رد الإساءة أو التغاضي
مثل هذه المواقف تترك الأطفال يعيشون حالة من التناقض، حيث يجدون أنفسهم في حيرة؛ إما أن يكونوا متسامحين، متغاضين عن الإساءات، أو أن يتحولوا إلى شخصيات متمردة تنفعل سريعا.
هذه المفارقة قد تؤدي إلى صعوبة في تحقيق التوازن بين الدفاع عن الحقوق والتصرف وفق منظومة أخلاقية، وبين اللجوء إلى أسلوب أكثر حدة وعدوانية.
وهنا يأتي دور الأهل في تعليم الأطفال كيفية تحقيق هذه الموازنة بطريقة تقدم الحماية لهم، خاصة مع تنوع أشكال الإساءة والتنمر، سواء كان ذلك بشكل مباشر أو إلكترونيا.
وفي هذا السياق، يؤكد المستشار الأسري والاجتماعي مفيد سرحان أن الأخلاق والقيم ليست مجرد مبادئ فردية، بل هي أساس متين للأسرة والمجتمع، فالالتزام بالأخلاق يعزز قوة المجتمع، ويساهم في تنمية الشعور الجماعي، واحترام الآخرين وتقدير ظروفهم. إلى ذلك، تنظيم العلاقات بين الأفراد، مما يعزز روح التعاون والتماسك والمحبة بالعلاقات وداخل المجتمعات.
ترسيخ الأخلاق في التربية
لذا، يؤكد سرحان على ضرورة ترسيخ الأخلاق في التربية منذ سنوات الطفولة الأولى، مشيرا إلى أن الالتزام بالقيم الأخلاقية ليس بالأمر السهل، بل هو عملية تتطلب أسسا صحيحة وتوجيها مدروسا، فالتربية تبنى عبر قواعد واضحة، بما يساهم في بناء شخصية متوازنة وفاعلة، تنتمي إلى أسرتها ومجتمعها وتلتزم بأمنه واستقراره.
ولا يقتصر هذا الدور على الأسرة وحدها، بل تمتد مسؤولية التربية لتشمل رياض الأطفال، والمدرسة، والبيئة المحيطة، والإعلام، والمجتمع، ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث تتكامل جميع هذه العوامل في تشكيل شخصية الطفل.
ومع ذلك، قد يكون تأثير إحدى هذه الجهات أكثر وضوحا من الأخرى، بحسب طبيعة الفرد وبيئته الأسرية وعلاقاته الاجتماعية.
ووفق سرحان، فإن التربية عملية تراكمية موجهة، لا يجب أن تترك دون متابعة أو تقييم مستمر من الأبوين، إلى جانب دور المربين في المؤسسات التربوية، التي ينبغي أن تحافظ على التواصل الدائم مع الأسر لضمان استمرارية التوجيه.
كما يشدد على أهمية عدم ترك الأبناء تحت تأثير وسائل التواصل دون مراقبة أو توجيه، حتى لا يقل دور الأسرة او يضعف.
استشارات أسرية وتربوية
كتبت إحدى الأمهات عن تجربتها قائلة: "لدي ابن وحيد يبلغ من العمر سبع سنوات، وكل أمل أن أربيه تربية ق