في عالمٍ يركض نحو الحداثة بسرعات جنونية، وفي زمنٍ أصبح فيه الإبداع التقني هو المقياس الأول للتقدم، تتردد في الأفق أسئلة جوهرية: أين موقع الإنسان في هذا التطور؟ وهل بقيت القيم والمبادئ قادرة على الصمود وسط أمواج المادية الجارفة؟ في قلب هذا التسارع، يظل الإيمان هو البوصلة التي تحفظ الإنسان من الضياع، وتذكّره بأن الحياة ليست فقط عن الإنجازات المادية، بل عن جوهرها الروحي الذي يمنحها المعنى الحقيقي.
لقد أصبحت التكنولوجيا قوة جبارة، فتحت الأبواب أمام الإنسانية لتحقيق إنجازات كانت تبدو مستحيلة. سُخّرت العلوم لخدمة الإنسان، فأُنجزت جراحات معقدة، وطُوّرت العلاجات، ووُصلت المدن والقارات ببضع نقرات على الشاشات. لكن هل هذا التقدم المادي رافقه ارتقاء روحي وأخلاقي؟ الواقع يُشير إلى أننا نعيش أزمة قيمية غير مسبوقة، حيث تراجعت الروابط الأسرية، وتلاشت المعاني العميقة للعلاقات الإنسانية، وأصبح التواصل رقميًا لكنه فارغ من المشاعر.
القرآن الكريم يذكرنا بحقيقة هذا التقدم حين يقول: «يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ" (الروم: 7). إن الحضارة التي لا تبنى على التوازن بين الماديات والروحانيات، هي حضارة مهددة بالانهيار، مهما بلغت من القوة. الإسلام، كغيره من الرسالات السماوية، لم يكن يومًا ضد التطور، بل وضع أساسًا واضحًا: التقدم مطلوب، لكنه بلا قيم يصبح فوضى مدمرة.
وسط هذا المد التكنولوجي، برزت ظاهرة خطيرة: هيمنة المادية على الأخلاق. لم يعد النجاح يُقاس بالعلم النافع أو العطاء الإنساني، بل بحجم الثروات والممتلكات. طغت ثقافة الاستهلاك على ثقافة البناء، حتى أصبح الإنسان مجرد ترس في آلة اقتصادية ضخمة، يقضي حياته في السعي وراء المزيد دون أن يسأل: لماذا؟ وهل هذه هي الغاية من الوجود؟
يقول النبي: «ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غِنى النفس» (متفق عليه). إن المعنى الحقيقي للثراء ليس فيما نملك، بل في قلوبنا، في قدرتنا على العطاء، في إحساسنا بالآخر، في التوازن بين متطلبات الحياة وبين سمو الروح التي تجعل الإنسان مختلفًا عن باقي المخلوقات.
لقد تطورت وسائل التواصل، لكنها في ذات الوقت أوجدت أجيالًا تعاني من الوحدة والانفصال العاطفي. يزداد عدد الأصدقاء والمتابعين، لكن يقل الشعور الحقيقي بالانتماء. العلاقات الأسرية أصبحت هشة، والمجتمعات فقدت دفئها الروحي الذي كان يشكل حصنها الأول أمام الأزمات. لقد تنبّهت الرسالات السماوية لهذه الحاجة العميقة إلى الروابط الإنسانية، فجعلت من صلة الرحم والإحسان إلى الجار، وحسن الخلق، قيمًا محورية لا تستقيم الحياة بدونها.
وفي قلب هذا المشهد، تتجلى أكبر أزمة تواجه العالم اليوم: انعدام العدالة الاجتماعية. رغم أن الثروات تتزايد، والفجوات بين الطبقات الاجتماعية تتسع، فإن القليل من هذا الثراء يُستخدم في محاربة الفقر أو دعم الضعفاء. الإسلام لم يكن فقط دينًا تعبديًا، بل كان مشروعًا أخلاقيًا يضع العدالة كأساس للحياة، كما في قوله تعالى: «كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ» (الحشر: 7). وحينما جعل الزكاة فريضة، لم يكن ذلك مجرد عمل خيري، بل كان نظامًا اقتصاديًا يُعيد التوازن إلى المجتمع، ويمنع الطغيان الاقتصادي الذي يسحق الفقراء.
كل هذه التحديات تُثير تساؤلًا مصيريًا: هل نحن أمام انهيار حتمي للقيم، أم أن هناك أملًا في صحوة جديدة تعيد للإنسانية بوصلتها؟ التاريخ يخبرنا أن لحظات الانحدار الأخلاقي ليست نهاية المطاف، بل كانت دائمًا مقدمة لنهضات عظيمة، بشرط أن يكون هناك من يوقظ الوعي، ويذكّر بأن الق