بقلم: عوني الرجوب في زمنٍ كانت فيه الصحافة ترتقي إلى مصافِّ المهن النبيلة، لم يكن يُعتبر من يحمل القلم صحفيًا إلا إذا كان يفهم اللغة العربية وأصول النحو وصياغة الخبر وبمصداقيةٍ متناهية، وكتابة المقال بما يمليه عليه ضميره لمعالجة واقع الحال بشفافيةٍ ونزاهةٍ وحيادية. وكانت الصحافة رسالةً ساميةً تتطلب جرأةً في الطرح ومصداقيةً في نقل الحقيقة. كنا نرى الصحفي الحقيقي فيمن يتسلح بثقافةٍ واسعة، ولغةٍ سليمة، وفكرٍ نقديٍّ يزن الكلمة قبل نشرها. عندما كانت الصحافة ذات هيبةٍ ووقار، كان الصحفيون يحملون درجات البكالوريوس في القانون أو التاريخ أو اللغة الإنجليزية، أو حتى البعض منهم لم يكن يحمل أكثر من شهادة الثانوية العامة، لكنهم بالفعل كانوا صحفيين متمرسين، وكتّاب أعمدة، نتيجة فكرهم السياسي والاقتصادي ونهجهم القومي والإسلامي، وثقافتهم الواسعه وكانت أسماؤهم رنانة، ومحتوى مقالاتهم موزونًا لغويًا ومضمونًا ومعنى ذا قيمة. كنا صحفيين وإعلاميين في عهد محمود الكايد محمود الشريف سلامة عكور سلطان الحطاب محمد داوودية هاني العدوان غالب الحديدي جبر حجات سوسن تفاحة فخري عكور إبراهيم شهزاده وغيرهم، بالفعل في ذلك العهد كانت الصحافة صحافة، والإعلام إعلامًا، ترتجف منه الأبدان.من هيبة الصحفيين والإعلاميين كنا نخشى أن يُجرَّم قلمنا من كلمة قد نُنتقَد عليها، لذلك كنا صحفيين وإعلاميين مبدعين. عندما كنا نعمل في الصحف اليومية، كان مقص الرقيب يلاحقنا على كل كلمة غير موزونة أو في غير موضعها اللائق. كانت الصحافة هيبةً ووقارًا، وعندما يدخل الصحفي مكتب أي مسؤولٍ أو وزيرٍ لإجراء مقابلةٍ صحفية، كان المسؤول يستقبله على باب مكتبه، وطاقم الوزارة أو المؤسسة يرتعش، وكأن الصحفي ليس مجرد كاتبٍ، بل محققٌ من محكمة أمن الدولة، من شدة خوف المسؤول أن يجد الصحفي عنده نقصًا أو عيبًا...