ليست هذه المرة الأولى التي يصبح فيها حيواناً مركز للخبر السياسي في مصر أو محيطها، وبالأخص حين يتعلق الأمر بإسرائيل، أسماك القرش التي هاجمت السائحين على شواطىء البحر الأحمر كانت موضوع اشتباه في كل مرة وقعت فيها حادثة من هذا النوع، ودائما تشير أصبع الاتهام إلى تل أبيب. مثلت طيور أمام النيابة العامة للفحص، وتم احتجازها قيد التحقيق بتهمة التجسس. وبدافع من الشبهات نفسها، اصطاد مواطنون طائر مهاجراً وسلموه للشرطة بعد أن لاحظوا جهازاً إلكترونياً مثبتاً على واحد من ساقيه، واتضح لاحقاً أن الجهاز مثبت لصالح التتبع البيئي. في كل هذا، تطغى هلاوس نظرية المؤامرة على الواقع التآمري نفسه وتحرف العيون عن التمعن فيه. ثمة شخصيات متنفذة مرتبطة بالنظام المصري تمتلك أسوداً ونموراً، وتنتشر الصور والمقاطع المصورة للحيوانات المتوحشة في قصورهم من باب التباهي ومن باب الترهيب. ينحط المشهد السياسي في مصر إلى حد تصبح معه ملكية الحيوانات المفترسة رأس مال رمزي مرافق للسلطة، ولا يعود وصم ممارسات أجهزتها بالوحشية استعارة، بل وصف يتحرى دقة المعنى المباشر للألفاظ.
هذه المرة، يحفز خبر عن مهاجمة حيوان الوشق مصري لعدد من جنود الاحتلال في غزة موجة هذيانية من التباهي على خلفية المقتلة الدائرة في القطاع. صور مولدة بالذكاء الاصطناعي يتم تداولها بكثافة للقط البري وهو يفتك بجنود إسرائيليين، صفة المصري المرفقة باسم الحيوان والقول بأنه عبر الحدود من سيناء إلى غزة كانت كافية لإطلاق العنان لفانتازيات البطولة الوطنية. الطبيعة المجازية لإطلاق تسميات "نسور الجو" و"الأسود" وغيرها لوصف أفراد القوات المسلحة المصرية تنقلب رأساً على عقب هنا، لتتحول البلاغة الركيكة إلى ضد-بلاغة، بحيث تصبح القطيات حقاً هي وحدها القادرة على التصدي للقتال.صورة لكلب شرس يهاجم عجوز فلسطينية توضع إلى جانب صورة مولدة للوشق وهو يهاجم جندي إسرائيلي، مع تعليقات تتراوح بين "كما تدين تدان" إلى "الانتقام الإلهي". ثمة تعادل هذياني في تلك الصورة المقسومة يريح الضمير، فالعدالة تمت بالفعل على مقاس عبرة تستخلص من قصة مصورة للأطفال أو بأفضل الأحوال حكمة من كتاب كليلة ودمنة.
كان الأميركيون قد اطلقوا كلابهم على سجناء أبو غريب بقناعة عنصرية مفادها أن هناك شيء غريزي يجعل العرب يخشون الكلاب. ومنذ بداية الحرب الجارية يداوم الساسة الإسرائيليون ومعهم بعض أقرانهم الغربيون على وصف ضحاياهم في غزة بالوحوش.في شبكة المعاني والممارسات الاستعمارية يسقط العربي المحتل من دائرة الإنسانية إلى الحيواني والغريزي والوحشي. والأمر نفسه ينسحب على أنظمة ما بعد الاستعمار الوطنية تلك التي ضاهت في قسوتها المحتلين السابقين واللاحقين. مثالاً، من سوريا يتردد صدى الصرخات القديمة والعائدة مع السلطة الجديدة، "أنا إنسان، ماني حيوان"، و"علوي عوي علاك". قريحة وحشية للإذلال تصب المجازات في أجساد بشرية وتشكلها قسراً على مقاس حيواني.
كان في تسمية "الهدهد1" و"الهدهد2" بلاغة يحيل بها حزب الله إلى قصص ديني يفهمه جمهوره ويتضمن وعد بنصر إلهي منتظر، لكن المحسنات البديعية والإمكانات المحدودة لم تصمد طويلاً أمام الإمبراطورية بطائرات "أف 16" وقنابل زنه الطن وأكثر الخارقة للتحصينات. لكن ما عجزت عنه الهداهد يأتي الوشق ليحققه. المصريون مع غيرهم العاجزون بالمطلق أمام الإبادة الدائرة في الجوار، واليائسون من أنظمتهم ومن جيوشهم ومن المؤسسات الدولية وقوانينها، يجدون أنفسهم في انتظار الطير الأبابيل وضربات موسى لفرعون بالجراد والقمل والضفادع، في انتظار معجزة في صورة حيوان أو طائر. ففي النهاية، هناك شيء غيبي يصلح مهرباً في مملكة الحيوان، هناك حيث تتوقف اللغة والمنطق.