باستثناء العامين الأخيرين، لم يتخلف الممثل محمد رمضان عن الظهور في شاشة رمضان في مسلسل تلفزيوني كان يحظى دائماً بأعلى نسبة مشاهدة وسط طوفان الأعمال الرمضانية المعتادة. صحيح أنه لم يتوار هذه السنة عن الشاشة، لكن هذه المرة في برنامج خيري يقدم يومياً المساعدات المادية والعينية لسعداء الحظ، "مدفع رمضان" في شاشة إحدى الفضائيات المصرية. محمد رمضان الذي قدم منذ العام 2014، ثمانية مسلسلات تلفزيونية كان آخرها "جعفر العمدة"(2023)، لم يفصح ولو مرة واحدة عن أسباب احتجابه هاتين السنتين، لكن المقربين منه وصنّاع أعماله ظلوا يتحدثون دائما عن جزء ثان من مسلسله الأخير الذي كان قد حقق نجاحاً لافتاً عند عرضه، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
غير أن غياب الرجل المتهم على الدوام بأنه المسؤول عن نقل العنف إلى الشاشة الصغيرة في أجواء شعبية مثيرة، لم يمنع من استحواذ أعمال درامية أخرى على تلك الأجواء خلال العامين الأخيرين اللذين شهدا غياب بطلها، ويكفي التدليل على ذلك بأعمال مثل: "سيد الناس" بطولة عمرو سعد، طفهد البطل" للممثل أحمد العوضي، "العتاولة" بطولة أحمد السقا وطارق لطفي وباسم سمرة، "إش إش" للممثلة مي عمر... فهل يبقى محمد رمضان موصوماً بالعنف ودراما الحركة، رغم غيابه؟ أم أن غيره من النجوم قرروا استنساخ توليفته التجارية سابقة التجهيز ومضمونة النجاح وراحوا يستدعونها في أعمالهم الجديدة؟ أم أن المشكلة ليست في محمد رمضان أو في غيره من الممثلين وإنما في المتلقي المنجذب دائماً إلى تلك النوعية من الأعمال؟ (سيد الناس)قبل محمد رمضان، لم تكن الدراما التلفزيونية تعرف بالفعل أعمال العنف والبلطجة، وكان ذلك معقوداً فقط على أفلام السينما ربما منذ بداياتها الأولى، وهذه النوعية من الأفلام صنعت نجومها على مر السنين، مثال: أنور وجدي وفريد شوقي ومحمود المليجي وزكي رستم ورشدي أباظة وأحمد رمزي وعادل إمام ونور الشريف، وصولاً إلى أحمد السقا وأحمد عز والشحات مبروك ثم محمد رمضان بطبيعة الحال. لكن مَن لحق من هؤلاء بعصر الدراما التلفزيونية، ظلّ ملجوماً بقيود صارمة في الشاشة الصغيرة في ما عرف بأدبيات الدراما التلفزيونية وأعرافها، تماماً مثل الثالوث الرقابي المقدس (الجنس والدين والسياسة) احتراماً لأفراد الأسرة الذين يقتحمهم البث التلفزيوني من دون استئذان. فإذا بمحمد رمضان، ومنذ مسلسل "ابن حلال" العام 2014، ثم "الأسطورة" و"زلزال نسر الصعيد" وبقية أعماله التلفزيونية، يخترق هذا السياج الصلب من الأعراف التلفزيونية، وينقل عالمه السينمائي الذي كرسه في أفلام مثل "عبده موتة وقلب الأسد" و"جواب اعتقال" و"الديزل" إلى شاشة التلفزيون، مستنداً إلى التفاف جماهيري ملحوظ حول أفلامه السينمائية، والذي أجج هذا الاتهام المقترن دائماً بمحمد رمضان، أن مسلسلاته الثمانية التي كرست للظاهرة كانت من إخراج أسماء مختلفة مثل محمد سامي وإبراهيم فخر وياسر سامي ومحمد سلامة، ومن تأليف أسماء عديدة مثل عبد الرحيم كمال وناصر عبد الرحمن ومحمد سامي ومهاب طارق، وبعض هؤلاء ليس محسوباً من الأساس على دراما الحركة والأعمال الشعبية. إذن، فإن العنصر المشترك الوحيد بين كل هؤلاء هو محمد رمضان.
(العتاولة)
أما وقد غاب محمد رمضان عن الأعمال التلفزيونية طوال العامين الأخيرين، فلم تتوقف دراما الحركة ومسلسلات العنف، بل ازدادت حدة في بعضها. فهل يظل الرجل موصوماً بها رغم الغياب؟ هذا ليس دفاعاً عن محمد رمضان، وإنما هي محاولة للفهم والتفسير. فمما لا شك فيه أن ثمانية مسلسلات من بطولة ممثل له تلك الحظوة الجماهيرية، كفيلة بتكريس الظاهرة، ثم أن الإلحاح عليها عاماً بعد آخر من دون رقيب أو حسيب، أعطى الآخرين الضوء الأخضر للتجرؤ بدورهم على قيم الشاشة الصغيرة الرمضانية، والتي صمدت عشرات السنين من أن يمسّها كبار النجوم السابقين. لكن، أليس للجمهور نفسه مسؤولية عن ذلك؟
نعم يحب الجمهور "شجيع السيما" بحسب الاصطلاح المصري، ويبدو أنها طبيعة إنسانية انتقلت بالتبعية إلى مشاهدي التلفزيون. هذه حقيقة لا تحتمل المناقشة، وقد أدركها صناع الدراما في بلادنا منذ عرفت مصر الفيلم الروائي الطويل قبل نحو مئة عام. ليس في هذا أي شيء يدعو للدهشة، فالجمهور الذي يتشبث بمقعده حتى نهاية العرض السينمائي، أو يظل مشدوداً إلى أحداث ثلاثين حلقة تلفزيونية، لا يرضيه أن يخرج البطل مهزوماً في النهاية. لا بد أن يظل بطلاً في عيونهم، حتى لو كانت المعركة غير متكافئة. وكم من معارك سينمائية ثم تلفزيونية انهزمت فيها الكثرة أمام الشجاعة لأن قانون الدراما يريد هذا، كما هي الحال في معارك فريد شوقي ورشدي أباظة وأحمد رمزي وعادل إمام في السينما، ثم محمد رمضان ومن سار في ركبه تلفزيونياً، لأن الحالة المزاجية للمتلقي لا تقبل غير هذا، ربما لأنه يرى نفسه في بطل السردية الدرامية الذي يأخذ له حقه من ظلم الأيام ويعوضه عن ضعفه حيال قهر الآخرين.
(عمرو سعد)
كل هذا جيد ويمكن تفهمه في إطار هذا البُعد النفسي، لكن ما يحتاج إلى التأمل والدراسة هو لماذا يحب الجمهور "شجيع الدراما" حتى لو كان مجرماً بلطجياً؟ ربما لا يرضي أخلاقياً عن سلوكياته، أو يقبل عقلياً بأفعاله، لكنه يظل مشدوداً إليه في كل معركة يدخلها، راغباً في ألا تهزمه قوى أخرى، لا سيما رجال الشرطة. والحالة الوحيدة التي يتقبل فيها الجمهور هزيمة البلطجي أو المنحرف عموماً، هي عندما تكون أمام ممثل الخير أو صاحب البطولة الفعلية في الأحداث.وهذا ما جعل جمهور الشاشة الصغيرة يتقبل معارك أحمد السقا وطارق لطفي فى "العتاولة"، بجزءَيه الأول والثاني رغم أنهما منحرفان، وكذلك أحمد العوضي في "فهد البطل" وعمرو سعد في "سيد الناس"، وإن اختلفت حدة الانحراف من عمل إلى آخر. لكنهم جميعاً في النهاية تلبّستهم شخصية "الشجيع" الذي لا ينهزم في أي معركة يدخلها، سواء كان على حق أو على باطل.