
محمد العشوري
يطرح غياب الأنشطة الثقافية والاجتماعية بمدينة جرسيف تساؤلات عدة حول دور المؤسسات الرسمية والجمعيات وفعاليات المجتمع المدني في تأطير الشباب وتكوينهم على قيم المواطنة والاعتدال، في ظل انتشار مقلق لمظاهر التطرف والانحلال الاجتماعي.
ورغم الحاجة الملحة إلى فضاءات تربوية وثقافية قادرة على استيعاب الشباب وتوجيه طاقاتهم نحو الإبداع والإنتاج الفكري والفني، إلا أن المدينة تشهد ركودا، يراه الأعمى، ويسمعه الأصم، على مستوى المبادرات التي من شأنها ترسيخ قيم التسامح والانفتاح، وسط تراجع ملحوظ لدعم المجالس المنتخبة لهذه الإطارات المدنية، والمبادرات الجمعوية، لأسباب قد تكون سياسية أوحزبية، أو ثقافية !!...، لكنها في الأخير تنحصر جميعها في خانة الحسابات الضيقة التي لا ترى مصلحة الوطن والمواطن على رأس أولوياتها.
ومن العوامل الأساسية لهذا الوضع، يبرز تغييب المجتمع المدني عن أداء أدواره الطبيعية، بل ومحاربته خاصة خلال السنوات الأخيرة، حيث تكالبت الظروف المادية والحسابات الضيقة والأيدي الهدامة لتحرم المدينة من عدة تظاهرات ثقافية كالملتقى الدولي للشعر والتشكيل، وملتقى سينما الهامش، وتظاهرات أخرى كانت تعطي للمدينة والإقليم زخما ثقافيا وإشعاعا إعلاميا كبيرا بلغ في أحيان كثيرة صداها المستوى الدولي، ما أضعف حضور الفعل المدني وقلل قدرته على تقديم بدائل تربوية وثقافية فاعلة للشباب.
كما لا ننسى الجانب الرياضي الذي لا يخفى على أحد ما حدث له وما وقع لحسنيتي جرسيف لكرة القدم، وكرة اليد، وهما الفريقان اللذان كانا علامة مسجلة في المجال الرياضي حيث كانت حسنية كرة اليد تتنافس على المراتب الأولى مع كبار الفرق الوطنية كالرجاء والجيش والوداد وغيرها، بل وكانت تتفوق عليهم بشكل كبير.
فلم يهنأ حاملو المعاول والفؤوس حتى أسقطوا الفريقين إلى أسفل سافلين، كل ذلك بينما اكتفى المسؤولون بالمشاهدة، وأحيانا بالاستمتاع بينما كان الضياع يتهدد لاعبي هذه الفرق، ومعهم أبناء المدينة.
ويبرز أيضا غياب أدوار المصالح التابعة لبعض المؤسسات المعنية بشكل مباشر بهذا الأمر كوزارة الشباب، التي يعلم الجميع أيضا مدى ضعف مرافقها وتجهيزاتها وبنياتها التحتية، فعلى سبيل المثال تحولت دار الشباب "علال بن عبد الله" إلى شبه أطلال بعدما أكل عليها الدهر وشرب، ولم تعد تستجيب لتطلعات الفاعلين، ولا حتى لطموحات الشباب.
ويزيد الوضع سوءا حالة دار الثقافة التي لم تكن أصلا صالحة للاستعمال، أو لتنظيم أي تظاهرة ثقافية أو فنية ذات مستوى لائق (كانت قاضية حاجة وخلاص)، بعدما انهار سقفها، وانقطع عليها الماء والكهرباء، مما أفقدها دورها في التأطير والتكوين، لتصير أشبه بخرابة مهجورة.
ويعاني المشهد الثقافي بالمدينة أيضًا من غياب قاعات عمومية تستجيب لطموحات الشباب والمثقفين والجمعيات، مما يحد من إمكانية تنظيم أنشطة هادفة قادرة على التأثير في النسيج المجتمعي المحلي.
وفوق كل هذا وذاك، تواجه الجمعيات (في صمت) قيودا غير مبررة في بعض من المقاطعات والقيادات القروية، كالتماطل في تسليم وصول الإيداع، كما تتعرض لتضييق غير مفهوم يعيق قيامها بأدوارها المجتمعية في التأطير والتوعية، والتنشيط.
ويعتبر غياب التأطير الثقافي والاجتماعي من العوامل التي تسهم في تفشي الفكر المتطرف، كما عكسته حادثة اعتقال شاب من أبناء المدينة الأسبوع الماضي ضمن خلية إرهابية موالية لتنظيم "داعش"، ما يعيد إلى الواجهة أهمية تحصين الشباب عبر التربية على مبادئ الوطنية والمواطنة الحقة والإيجابية، وقيم الاعتدال والوسطية وتقبل الآخر.
وفي ذات السياق لا يخفى على أحد التنامي المتزايد لترويج وتعاطي المخدرات والآفات الاجتماعية الأخرى في صفوف الشباب، وما يرافقها من انحلال اخلاقي واجتماعي، ناهيك عن ما يعانيه المدمنون وذويهم مع الامراض النفسية والعقلية التي تنتج عن تعاطي وادمان المخدرات، وما تؤدي إليه من حالات الانتحار (التي كانت قد سجلت بالاقليم ارقاما موزعة خلال السنوات القليلة الماضية)، ومختلف أشكال الجريمة التي قد يكون الآباء أو الأبناء وافراد العائلة ضحايا لها.
كل ذلك في غياب بدائل حقيقية تستقطب هذه الفئة نحو أنشطة تنموية وثقافية واجتماعية، ترسخ لديها القيم النبيلة، الأمر الذي يضع الهيئات المعنية أمام مسؤولية مضاعفة لتدارك هذا الوضع وتعزيز حضورها في المشهد الثقافي والاجتماعي المحلي.
ولا يمكن، في هذا الصدد، بأي حال من الأحوال، تبخيس جهود بعض المؤسسات التي يترأسها مسؤولون من ذوي الضمائر الحية، غير انها تبقى غير كافية في ظل هذا الواقع المؤلم الذي يعيش على وقعه شباب المدينة، والإقليم.
ويؤكد فاعلون جمعويون أن النهوض بالعمل الثقافي والتربوي في جرسيف يمر عبر تعزيز الشراكة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني، وضمان الدعم المادي واللوجستيكي الكفيل بتمكين الجمعيات من القيام بأدوارها في تأطير الشباب، وتحصينهم ضد مظاهر التشدد والتطرف والانحراف السلوكي، ضمن خطة استراتيجية تعزز المكتسبات وتتدارك الاختلالات التي عرفها المجال خلال السنوات الماضية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى الرهان على وعي مختلف الفاعلين بأهمية الاستثمار في العنصر البشري، وضمان بيئة ثقافية واجتماعية صحية تتيح للشباب فرص التعبير والتطور في إطار قيم المواطنة والانتماء المسؤول.
كما يعول عدد كبير من المتابعين والمهتمين على السيد عبد السلام الحتاش الذي عينه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، مؤخرا على رأس عمالة اقليم جرسيف، وعلى رصيده ومساره المميز للنهوض بالمجال الجمعوي والثقافي باعتبارهما قاطرة أساسية لتحقيق التنمية وتكوين العنصر البشري الذي يمكنه خلق هذه التنمية وضمان استمراريتها، ومحاربة مظاهر الانحلال، وأسباب التطرف التي تتربص بشباب المدينة والاقليم.