■ عالمنا العربي بحاجة إلى مشاركة فاعلة من المثقفين والمفكرين
■ الواقع يفتقد لرؤى قابلة للتنفيذ وليس أفكاراً نظرية مجردة
■ واقعنا بحاجة إلى فهم دقيق وطرح أسئلة جوهرية
■ هناك مثقفون يعانون من انفصال عن الواقع
■ موت الأفكار الكبرى ظاهرة عالمية وليست عربية فقط
■ الفجوة بين المفكر والمثقف مع صناع السياسات وراء الدخول لمرحلة التشظي المعرفي والأخلاقي
■ مؤشرات الأداء وأدوات التقييم الاستشاري قد تحمل انحيازات فكرية غير محايدة
اختتمت وزارة الثقافة مساء أمس فعاليات موسم الندوات، في نسخته الخامسة، والذي نظمته على مدى أسبوعين، بالشراكة مع كل من جامعة قطر والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وذلك ضمن نهجها في تأسيس منصة بارزة للحوار الثقافي والفكري الجاد والمعمق حول أبرز القضايا الثقافية والمجتمعية.
وجاء اختتام الموسم بحضور سعادة الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني وزير الثقافة، وسعادة السيد إبراهيم بن علي المهندي وزير العدل ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء. وشهد ختام الموسم ندوة بعنوان "هل للفكر مكان في زمن الشركات الاستشارية؟"، قدمتها سعادة السيدة لولوة بنت راشد الخاطر، وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي، وذلك في مقر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات وأدارتها السيدة إيمان الكعبي مدير المركز الإعلامي القطري، وحضرها جمع من المثقفين والأكاديميين والطلاب.
واستهلت سعادة الوزيرة مداخلتها بوصف الشركات الاستشارية بأنها كيانات ربحية في الأساس تقدم خدماتها لجميع القطاعات، سواء كانت حكومية أو خاصة، دون أن تحصر نفسها في نطاق معين، وأن هناك في المقابل، مراكز العقول، تبحث عن الاستدامة المالية من خلال تمويل مشروط، وتخضع لضوابط أكثر مقارنة بالشركات التجارية، حيث تركز بحوثها على التأثير في صنع السياسات في حين تكون مراكز البحوث الأكاديمية، بطبيعتها غير ربحية، وغالبًا ما تكون مرتبطة بمؤسسات التعليم العالي، لكنها لا تنشغل دائمًا بالجوانب التطبيقية، بل قد تكون مغرقة في البحوث النظرية، وهو ما يظهر بوضوح في السياسة الأمريكية حيث لا نكاد نجد مسؤولًا أمريكيًا سابقًا فور مغادرة منصبه إلا وهو عضو في أحد هذه المراكز.
- جذور الشركات الاستشارية
وتناولت جذور الشركات الاستشارية، وأن فكرتها نشأت في أواخر القرن التاسع عشر، وارتبطت بداياتها بالجانب المالي، وازدهرت بعد الكساد الكبير عام 1929، عندما اهتزت الثقة في القطاع المصرفي، مما دفع الحكومات للبحث عن خبراء محايدين لتقييم المؤسسات وتقديم التوجيه الاستراتيجي.
وقالت سعادتها: إنه خلال فترة الستينيات وحتى الثمانينيات، ظلت الشركات ذات الطابع المالي هي المهيمنة، لكن مع طفرة التكنولوجيا في الثمانينيات وصعود النيوليبرالية، توسع دور الشركات الاستشارية ليشمل المجالات التكنولوجية وإعادة هيكلة القطاع العام وفق نماذج مستمدة من القطاع الخاص.
وتابعت: أن هذه الشركات شهدت نموًا هائلًا، فبينما كانت قيمتها السوقية لا تتجاوز 3 مليارات دولار في عام 1980، قفزت إلى 330 مليار دولار بحلول عام 2008، ووصلت في بريطانيا وحدها إلى 14 مليار دولار عام 2021، ومع ذلك، فإن هذه الأرقام تظل تقديرية، حيث لا تفصح جميع الحكومات والشركات عن بياناتها المالية بدقة، لافتة إلى أن إحدى الإحصائيات تشير إلى أن 35% من العاملين في كبرى الشركات الاستشارية هم من الخريجين الجدد، ما يثير تساؤلات حول مستوى الخبرة الفعلية التي تقدمها هذه الشركات.
- انحيازات فكرية
وقالت: إنه غالبًا ما يحضر في الاجتماعات التمهيدية والختامية كبار المستشارين، بينما يتولى العمل الفعلي شباب حديثو التخرج من جامعات النخبة، مما يطرح إشكالية حول مدى عمق التحليل الذي تقدمه هذه الشركات، ومدى اعتمادها على أساليب جاهزة بدلاً من حلول مخصصة، لافتة إلى أن البيروقراطية تاريخياً كانت اختراعًا هامًا، إذ ساهمت في تأسيس مؤسسات مستقرة محصنة ضد التقلبات السياسية والمزاج الشخصي، كما نظّر لها أحد علماء الاجتماع عالم الاجتماع الألماني لكن منذ الثمانينيات، عززت الشركات الاستشارية سردية مفادها أن القطاع العام غير منتج، مما أدى إلى انتشار نماذج مستوحاة من القطاع الخاص في إدارة الحكومات، حيث أصبحت مؤشرات الأداء وأدوات التقييم الاستشاري جزءًا لا يتجزأ من هذه الإدارة، رغم أن هذه الأدوات نفسها قد تكون محملة بانحيازات فكرية غير محايدة.
وتابعت سعادتها: أن الشركات الاستشارية ليست مجرد مقدمي خدمات، بل هي فاعلة وتؤثر في مسارات الدول والقطاعات والوعي بأدوارها، وتمييز أدواتها، والتساؤل عن خلفياتها الفكرية، أمر ضروري للحفاظ على استقلالية القرار الوطني، وضمان أن تكون الاستشارات وسيلة لتطوير السياسات، لا لتوجيهها في مسارات غير مدروسة.
- علاقة المثقف بالواقع
وفي ختام محاضرتها، عرجت سعادة وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي على علاقة المثقف بالواقع العربي، مؤكدة أن العديد من المثقفين والمفكرين في العالم العربي يعانون من انفصال عن الواقع، ويفتقرون إلى الحس العملي في تقديم أفكارهم، وأن بعض الباحثين والمفكرين يطرحون أفكاراً وكأنها جديدة تماماً، بينما هي ليست سوى إعادة إنتاج لأطروحات قديمة لم يتم تكييفها مع السياقات الراهنة.
وأكدت سعادتها أن صانع القرار لا يحتاج إلى أفكار نظرية مجردة، بل إلى رؤى قابلة للتنفيذ، تستند إلى تحليل دقيق للمعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لافتة إلى أن الظاهرة لا تكمن فقط في عدم قدرة بعض المثقفين على تقديم أفكار عملية، بل في غياب الوعي بأهمية فهم السياقات المختلفة قبل تقديم أي مقترحات.
- فجوة بين التفكير والتطبيق
وشددت سعادة السيدة لولوة بنت راشد الخاطر، وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي، على حاجة العالم العربي إلى إعادة صياغة العلاقة بين الفكر والسياسة، بحيث لا يقتصر دور المثقف على النقد والتنظير، بل يمتد إلى المشاركة الفاعلة في رسم السياسات وصناعة القرار مع القدرة على التعامل مع التحديات الراهنة والمستقبلية.
وقالت إن هناك من يطرح حلولاً للمشكلات دون دراستها بعمق، مما يؤدي إلى تقديم رؤى غير واقعية أو غير قابلة للتطبيق. داعية إلى إعادة النظر في العلاقة بين المثقف وصانع القرار، والعمل على سد الفجوة بين التفكير النظري والتطبيق العملي، في ظل وجود فجوة حقيقية بين المفكر والمثقف مع صناع السياسات، ما يجعلنا في مرحلة الدخول إلى نفق التشظي المعرفي والأخلاقي، وموت الأفكار الكبرى، وهى الظاهرة التي لاتقتصر على العالم العربي فقط، بل يشهدها العالم.
وتابعت: أن الحل يكمن في تبني مقاربة أكثر واقعية، تعتمد على فهم دقيق للواقع المحلي والدولي، مع التركيز على طرح أسئلة جوهرية تتجاوز البحث عن “كيف” البحث إلى “لماذا”، وذلك لفهم الأسباب العميقة للمشكلات بدلاً من الاكتفاء بمعالجة مظاهرها.
- وزير العدل: دور بارز للدولة في الذكاء الاصطناعي
في مداخلة من حضور الندوة، حول إحلال الذكاء الاصطناعي محل الشركات الاستشارية، أكد سعادة وزير العدل ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، أن الذكاء الاصطناعي أكبر تحد ليس في تقديم الخدمات الاستشارية فقط، ولكن في جميع المجالات، وأن دولة قطر من جانبها تقوم بجهود بارزة في هذا الاتجاه، مستفيدة في ذلك من مختلف التقنيات، دون خسارة في الجانب البشري.