مع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك، يتهيأ المسلمون في جميع أنحاء العالم لاستقباله باعتباره شهر الطاعة والعبادة والتقرب إلى الله، حيث تتضاعف الأجور وتكثر فرص العطاء والعمل الصالح. وإلى جانب كونه موسما للصيام والصلاة والذكر، فإن رمضان يمثل أيضا فرصة استثنائية للاستثمار في أعمال الخير، ليس فقط عبر تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية، بل من خلال توجيه التبرعات نحو مشاريع تنموية مستدامة تترك أثرا دائما في حياة المستفيدين.
وقد اختص الله جل وعلا شهر رمضان بإكرام الصائمين بمضاعفة الأجور على كثير من العبادات التي يؤدونها ليلا ونهارا، ورغم أن هذه الأعمال الصالحة ينبغي أن تمارس على مدار العام، إلا أن المواظبة عليها والإكثار منها في هذا الشهر الفضيل يعد فرصة عظيمة للتجارة مع الله. وينطبق هذا الأمر أيضا على أهل الفضل والإحسان، حيث يسعون خلال رمضان للاستزادة من أعمال البر والإنفاق الخيري، من خلال إقامة مشاريع تنموية تساهم في تحقيق الاستقرار المستدام للفئات المستهدفة، سواء كانوا أفرادا أو أسرا أو مجتمعات، الأمر الذي يحقق لهم الفائدة المرجوة، ويعود على المتبرعين أنفسهم بالأجر والثواب الجزيل.
وفي هذا السياق، يتعين على الصائمين المقتدرين التوسع في أعمال الخير خلال رمضان، بما يسهم في تحقيق التكافل الاجتماعي في مختلف صوره وأشكاله، حيث يعد الشهر الفضيل فرصة لتعزيز البعد التنموي للأعمال الخيرية، لا سيما أن الكثير من المتبرعين وأهل الإحسان يرون أن رمضان هو الوقت الأمثل لتنفيذ مشاريع تنموية تسد احتياجات الفقراء والمحتاجين، ليس فقط خلال الشهر، ولكن أيضا بعد انتهائه، مما يضمن بقاء أثر هذه المشاريع واستدامتها في حياة المستفيدين. ويأتي ذلك في ظل التحديات الإنسانية والتنموية المتزايدة التي تواجهها العديد من المجتمعات الإسلامية، والتي تجعل من الضروري استثمار الشهر الكريم بأفضل الطرق وأكثرها نفعا.
لذلك كله وفي ظل تزايد حالات الفقر والصراعات وبالتالي موجات النزوح واللجوء في العديد من المناطق الإسلامية، أصبح من الأهمية بمكان استغلال الشهر الفضيل في تلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة، من خلال تنفيذ مشاريع مدرّة للدخل تضمن للمحتاجين سبل العيش الكريم، سواء من خلال تمليكهم مشاريع زراعية أو تجارية توفر لهم الاستقلال المالي، أو عبر تنفيذ مشاريع تنموية على نطاق أوسع، مثل بناء المدارس والمراكز الصحية، مما يسهم في تحسين الظروف المعيشية للمجتمعات المستهدفة. وبهذا الشكل، يتحقق الاستثمار الأمثل لشهر رمضان، ليجمع بين البعد الإنساني والتنموي بأفضل صورة ممكنة.
ومن هذا المنطلق، لم يعد العمل الخيري عموما في رمضان مجرد سلال غذائية، أو طرود دوائية، أو حفنة مبالغ توزع هنا وهناك مع أهمية كل ذلك، وإنما امتد ليشمل أعمال ومشاريع تنموية، مثل بناء المدارس والمستشفيات، ومشاريع السقيا كحفر الآبار وإقامة المرافق التعاونية كذلك وتمليكها لأهل الحاجة من المسلمين، وهي التي سيبقى أثرها ويعم عائدها شرائح مجتمعية متعاقبة، بما في ذلك كفالة الأيتام، بقدر ما يكفيهم من العوز والحاجة، ليشبوا نافعين لأنفسهم ومجتمعهم وأمتهم، وهذا من أعظم الأفعال التي يتجلى فيها التكافل الاجتماعي والعمل الإنساني والتنموي على صعيد الفرد والمجتمع.
وفي هذا الصدد يقول السيد محمد بن علي الغامدي مساعد الرئيس التنفيذي لقطاع الحوكمة والعلاقات الخارجية بقطر الخيرية، إن رمضان هو باستمرار موسم للخيرات يقبل الناس فيه على التبرع والتصدق وتقديم الدعم والمساعدة لإخوتهم المسلمين المحتاجين في كل مكان.
وأضاف الغامدي في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية /قنا/ أن هناك اليوم مسؤولية كبيرة تقع على عاتق المسلمين، بمختلف مكوناتهم المجتمعية، للوفاء بالاحتياجات المتزايدة لشرائح واسعة من المحتاجين، في ظل تفاقم الجوع والفقر والصراعات.
وأكد على أهمية توجيه التبرعات، خاصة خلال شهر رمضان المبارك، حيث يزداد الإنفاق الخيري، نحو مشاريع تنموية تسهم في تحسين سبل العيش، بما في ذلك المبادرات التي تساعد الأفراد على تحقيق الاكتفاء الذاتي وتأمين مصادر دخل مستدام.
ونوه إلى أن طبيعة المساعدات قد تغيرت بالتركيز على ما يقدم في حالات الإغاثة الإنسانية لمشاريع ذات طابع تنموي مستدام، يراعي في أبعاد أخرى قضايا المناخ والاستدامة، وتوفير فرص العمل والوصول للضعفاء من المسلمين حول العالم.
وأشار الغامدي إلى أن قطر الخيرية قد دشنت مؤخرا، بالشراكة مع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" أوتشا"، هوية "منتدى الأثر الإنساني 2025"، ليصبح فعالية سنوية تشكل منصة محورية لمعالجة الفجوات الحرجة في تنسيق العمل الإنساني، ودفع عجلة الابتكار لمواجهة التحديات الإنسانية في الميدان، وتعزيز الحلول المستدامة.
وأكد السيد محمد بن علي الغامدي مساعد الرئيس التنفيذي لقطاع الحوكمة والعلاقات الخارجية بقطر الخيرية أهمية قياس الأثر الإنساني والتدخلات الإنسانية للمشاريع التي يتم تنفيذها في هذا الخصوص، مشددا على أن المساعدات الإنسانية يتوجب أن تساهم وتساعد في حل المشاكل والتحديات التي تواجه الناس بالميدان وكذا الحوار والتشاور من خلال هذه المنصة، ومن ثم رسم خارطة طريق للعمل الإنساني في الأعوام القادمة، مشيرا إلى أن مثل هذه الجهود والمبادرات مع تكثيفها واستثمارها خلال الشهر الفضيل ستساعد في تعزيز مسعى التوجه نحو استجابة إنسانية وتنموية أكثر فاعلية.
من جانبه، قال السيد يوسف العوضي كبير سفراء الخير بالهلال الأحمر القطري ورئيس لجنة رمضان 1446هـ/ 2025، إن شهر رمضان هو شهر خير وبركة وإنفاق على مشاريع إنسانية وتنموية لكسب العيش وكفاية الأسر بما يعود نفعها على المسلمين غير المقتدرين لأن "في كل كبد رطب أجرا".
وبين العوضي في تصريح لوكالة الأنباء القطرية /قنا/أن المشاريع والحملات الرمضانية للهلال الأحمر القطري تتضمن دائما مشاريع إنسانية وتنموية لملايين المسلمين المستهدفين منها في العديد من الدول، بما يحدث فارقا في حياتهم في رمضان وبعده، موضحا أن حملة رمضان هذا العام عنوانها "عطاء يثمر" وتتضمن من بين أهداف أخرى تنفيذ 136 مشروعا خارجيا لصالح قرابة مليوني مستفيد في 11 دولة.
وأشار إلى أن الهلال الأحمر القطري يكثف الجهد بشكل خاص خلال شهر رمضان المبارك، لاستيعاب إقبال أهل البر والفضل للمساهمة في الأعمال الخيرية النبيلة من ناحية، وترجمة ذلك العطاء إلى مساعدات ومشاريع تلبي تطلعات الفئات المحتاجة.
وفي الختام، يعد شهر رمضان المبارك فرصة استثنائية للمسلمين في كافة أنحاء العالم للتقرب إلى الله من خلال العبادة والأعمال الصالحة، بالإضافة إلى كونه وقتا مثاليا للاستثمار في الأعمال الخيرية والتنموية، من خلال توجيه التبرعات نحو مشاريع مستدامة، يمكن تحقيق تغيير حقيقي في حياة الأفراد والمجتمعات المستفيدة، مما يضمن استدامة الفائدة بعد انقضاء الشهر الفضيل. كما أن التوسع في هذه المشاريع يعزز من التكافل الاجتماعي ويسهم في تحسين ظروف حياة المحتاجين، خاصة في ظل التحديات الإنسانية المتزايدة. وبينما يتزايد الإقبال على التبرع في رمضان، يتوجب على الجميع العمل سويا لتحقيق استجابة إنسانية وتنموية فعالة تسهم في تلبية احتياجات الفئات المستضعفة في العالم الإسلامي، مما يرسخ مفهوم العطاء المستدام في قلب المجتمع.