كان اسمه الصراع العربي - الإسرائيلي، وبعد احتلال الكويت من النظام العراقي العبثي، ودخول دول المواجهة الأردن سورية لبنان وبكل تأكيد منظمة التحرير الفلسطينية في محادثات السلام في مدريد برعاية أميركية دولية، أصبح اسمه الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وكان من المفترض أن الصراع العربي انتهى، وأن الأمر الآن سياسي بين الفلسطينيين ممثلين بسلطتهم الوطنية، وبين إسرائيل، ولكن الفكر الصهيوني لا يقبل رضوخه تحت ضغط السلام والتنازل، لهذا ومنذ مطلع التسعينيات بدأت عملية صناعة العدو الوهمي، بالأخص من لبنان حزب الله، ومن سورية فرقعات الخطاب السوري، وأصبحت إسرائيل كلما تعرضت لأي ضغوطات دولية لأجل تنازلات سياسية سلمية، توزع لحزب الله في لبنان ليقوم بأعمال عدائية تجاهها، حتى تشكل حكومة حرب، وتعلق المفاوضات، وتبدأ عملية القصف والإبادة في جنوب لبنان وغزة والضفة الغربية.

إذاً هو سيناريو متبع نعرفه عن الكيان الصهيوني، وسلسلة الإجرام التي تجلت في أبشع صورها في نتنياهو حاليا هي امتداد لإجرام شامير وشارون وإيهود باراك، وغيرهم الكثير، لكن هذه المرة كان الإجرام أقوى لأن هناك مخططا لتسوية المنطقة وإعادة فكرة إسرائيل تحت الخطر والعداء للسامية، حتى يستمر الدعم الغربي لها، إسرائيل لا تريد السلام أبدا، ولا تريد التطبيع مع العرب، فهي تعرف جيدا أن أي حالة استقرار في المنطقة تنخرط فيها تعني نهايتها، خاصة بعد ظهور قوة إقليمية اقتصادية وعسكرية، وبوجه الخصوص الحديث عن المملكة، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتهم الفكر الصهيوني المملكة اليوم وبعد رؤية 2030 بأنها تدعم الإرهاب، وأنها مصدر قلق في المنطقة، لهذا فإن التقرب من منظومة تحالف عربي بقيادة السعودية هو الحل الأمثل.

بعد ما يسمى الربيع العربي المزعوم، ودخول حزب الله في الحرب السورية، وخروج العراق كليا من دائرة القرار العربي، أصبح هناك حاجة ملحة لوجود بديل لحزب الله، والأقرب لذلك حركة حماس، خاصة بعد دخول حماس إلى غزة وإعلان تحريرها من السلطة الفلسطينية، التي حاولت السعودية كثيرا ردم الخلاف بينهما وتحت أسوار الكعبة دون فائدة، وتولت قيادة حماس في داخل غزة مجموعة أقل ما يمكن وصفها بالحالمة الجاهلة.

المنطقة أصبحت الآن تحت المجهر الدولي، وهناك شرق أوسط جديد بعمل وتقدم واقتصاد، لهذا فإن إسرائيل مطلوب منها الآن أن تدخل ضمن هذه المنظومة شريطة تخليها عن مشاريعها الاستيطانية وتفريغ الأرض الفلسطينية، وقيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس.. بعد السابع من أكتوبر، فجّر نتنياهو -الذي كان قاب قوسين أو أدنى من السجن بتهم فساد- حربه الإجرامية الإبادية على غزة وشعبها، والغاية تدمير حماس وإنهاؤها، لكن دمرت غزة بالكامل.

بايدن الديموقراطي لم يكن باله في إسرائيل بل في أوكرانيا، بصناعة حرب عبثية هناك أيضا، بدلا من إنهاء مصادر القلق في المنطقة ذهب في عقر دار روسيا ليقدم أوكرانيا ضحية لرغبة أوروبا بإيقاف الخطر الروسي، ولكن وبعد عودة ترمب الجمهوري، الأمور اختلفت، بل لنقل اتضحت، غزة انتهت ويجب إعادة إعمارها، لكن بشرطين، الأول خروج حماس، والثاني خروج أهل غزة والضفة الغربية وعودة أو إعادة إحياء مشروع الوطن البديل، الذي أصبح وطنين بديلين، مصر والأردن، الرفض الأردني والمصري والعربي عموما واضح وجلي، ولكن ترمب يريد حلا، ويقبل ترمب بأي حل عربي شرط ألا يشمل تنازل إسرائيل عن أي أراضٍ، عدم قيام دولة فلسطين في عهده، وعدم تنفيذ حقوق العودة والتعويض.

ترمب حاليا في مرحلة التصريحات وانتظار ردود الفعل، مصر التي مازالت تعاني من لعبة الربيع العربي، والأردن الذي يعاني اقتصاديا ومائيا وحدوديا، الأردن تنفس الصعداء مؤخرا بعد انتهاء نظام الأسد، لكن سياسيا لا يملك الأدوات التي يستطيع وحده أن يواجه أي أفكار ومشاريع أميركية لجعل الأردن وطنا بديلا، لهذا في لقاء الملك عبدالله الثاني مع ترمب تمسك الملك بقراره وبنفس الوقت أعلن أن موقف الأردن سيكون موقفا عربيا.

نتنياهو ليس حالة استثنائية من إسرائيل، بل هو سلسلة متصلة من الإجرام وسفك الدماء، لم تعد هناك حروب بين دول من بعد 1973، حتى اجتياح لبنان 1982 لم يصنع حربا مباشرة مع الدولة المحيطة، لهذا فإن ما قامت به حماس هو خدمة لهم، مقدمة لإحياء الوطن البديل، لهذا بالصوت العالي نقولها: كلهم نتنياهو.