في محاضرة للأستاذ الدكتور خالد البكر بمكتبة الملك فهد الوطنية ضمن فعالية «حديث المكتبة» حملت عنوان: «لغة التاريخ وأسلوب المؤرخ: فن استرداد الزمن»، كان الحديث عن علم التاريخ ولغته بالتحديد. حيث تناول المحاضر أهمية إلمام المؤرخ بلغة العصر الذي يقوم بدراسته. فهناك العديد من المفردات اندثرت ولم يعد لها وجود وهناك بعضها قد فقد معناه الأصلي وأخذ معنى جديداً، بل قد يتغير معنى مفردة ما من الإيجابي إلى السلبي والعكس. فمثلاً كلمة (nice) (لطيف) كانت في الأصل تعني (سخيف) وتعود إلى الكلمة اللاتينية (nescius) (جاهل). وإن لم يكن المؤرخ على علم بدلالة المفردة أو اللفظ في سياقها الزمني في فترة الدراسة فستكون دراسته غير ذات جدوى، وهذا لا يعني أن يكون المؤرخ متخصصاً في هذا الفرع من اللغويات بطبيعة الحال، ولكن يكون ملماً بنتائجه، وبذلك يمكن إدخال علم اللغة ككل، وعلم دلالة الألفاظ (Semasiology) بالذات ضمن العلوم المساعدة للمؤرخ، أما الجانب الآخر من جوانب «لغة» التاريخ -كما يراها الدكتور البكر- فهو ضرورة التجديد في قالب الكتابة التاريخية المعاصرة، ونقلها من نطاق الصرامة اللغوية الجافة إلى نطاق الانفتاح المشاعري بكل تجلياته. وهو ما يمكن أن أطلق عليه المناداة بكتابة «الأدب» التاريخي، والهدف كما ذكر المحاضر تشويق الآخرين لقراءة المنتج التاريخي. وهنا يمكن استحضار اتهام المؤرخ بول هام للمؤرخين الأكاديميين بانتاج تواريخ غير مقرؤه عالمياً. وهنا تظهر لنا إشكاليتان، فالأدب يغلب عليه الطابع الخيالي المدون بلغته الشاعرية (من المشاعر)، والتاريخ على النقيض من ذلك. كما أن الأدب لا يعترف بالحدود الزمنية الفاصلة بين الماضي والحاضر، بينما جوهر التاريخ هو التقسيم الواضح للزمن والإبقاء عليه، كان تشخيص المحاضر لواقع المقروئية التاريخية الضعيفة صحيحاً، ومناداته بالتجديد في لغة الكتابة التاريخية من أجل الخروج من هذا المأزق مناداة عادلة. ويمكن أن نرى مثل هذا التوجه في كتاب: How to Write History that People Want to Read? كيف تكتب تاريخاً يرغب الناس في قراءته؟ لآن كورتيز وآن ما كغراث. ولكن يبقى السؤال: هل يكتب التاريخ من أجل استمالة الناس والتأثير في مشاعرهم، أم يكتب من أجل تقديم الحقيقة لهم؟ إن هذا السؤال فلسفي جداً وقديم قدم علم التاريخ نفسه، وإذا تم الاتفاق على إجابة له حُلت بقية إشكالات الكتابة التاريخية. وأخيراً، وأمام تلك الليلة التاريخية الفكرية الجميلة يستحق المحاضر البكر الشكر الجزيل، والشكر موصول لمكتبة الملك فهد الوطنية والقائمين عليها وعلى رأسهم صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان.