أكتب هذه المرة عن المسلسل التلفزيوني وليس عن الرواية العظيمة.
قبل خمسة عشر عاما، شاهدت فيلما مقتبسا من كتاب، ولم أستمتع به أبدا، مع أنه كان يبدو ممتعا، شخص ولدي الحالة سريعا، بالرغم من صغر سنه ذلك الوقت، أجابني سريعا، بالطبع، لو قرأت كتابا ثم شاهدته متحولا إلى عمل فني، فلن تستمتعي، القراءة تفسد متعة المشاهدة، لذلك، وبعدها بفترة وجيزة، كانت لدي رواية، لم أقرأها بعد، تحولت إلى عمل سينمائي، شاهدت الفيلم واستمتعت به، وحين عدت لقراءة الرواية، لاحظت كم أفسد عليّ الفيلم الاستمتاع بالرواية. كان قراري حاسما بعدها، سأقرأ أولا، لن يعنيني أن يفسد عليّ الأدب السينما، لكن، لن أدع السينما تفسد عليّ الأدب. بمعنى آخر، انتصرت لخيالي على خيال أي مخرج سينمائي أو تلفزيوني. لن أسمح لميزانية عمل فني أن تحجم خيالي، أو أي رقابة أن تقلص رحابة تفكيري أثناء قراءتي لرواية.
كل كلامي السابق لا يعني أبدا أنني ضد تحويل الأعمال الأدبية إلى أعمال مرئية، على العكس، أنا من أشد المناصرين لهذه الفكرة.
لم أكن أعرف قبل شهرين فقط أن رواية ماركيز الشهيرة (مئة عام من العزلة) كانت قد تحولت إلى عمل تلفزيوني. قرأت العمل ربما قبل سنين طويلة، أتذكر أنني بهرت به، لكنني بالتأكيد لا أتذكر تفاصيله، لذلك حين أخبرني الصديق عمر الأنصاري أن العمل تحفة فنية قررت أن أشاهده فورا. كنت قد نلت متعتي من القراءة حتى لو قبل دهر.
استمتعت بالمشاهدة حتى آخر قطرة، عمل عظيم، لا أعرف كيف تمكن صانعو هذا العمل من تحويل الواقعية السحرية الأدبية إلى عمل سحري. الرواية ضخمة، أحداثها ضخمة وتتناول سيرة عائلة عبر أجيال عديدة، لذا، من المستحيل طبعا أن يتمكن فيلم من تجسيدها، لكن، كان ممكنا ذلك عبر عمل تلفزيوني، شاهدت المسلسل، وحين انتهيت منه تماما، ونلت متعتي الخالصة، قررت أن أعود لقراءة الرواية مرة جديدة، وسحرتني مرة جديدة، ولم ينقص أي منهما عندي من متعة الآخر، وهذه أول مرة يحدث لي ذلك. أعتقد أنه لابد من وجود جزء آخر، لأن المسلسل غطى فقط نصف الرواية.
سعيدة من أجل الذين لا يقرؤون، أنهم سيتمكنون من مشاهدة تجسيد الرواية العظيمة، في عمل خيالي، وأشهد لمخرجي العمل أنهم تجاوزوا كل توقعاتي.
اقرأوا الرواية وشاهدوا العمل، واستمتعوا بالسحر الخالص.