بحسب قائمة اتجاهات التربية لعام 2024، فإن التربية المتساهلة والمسؤولة تراجعت كثيرًا، وعادت الأسر مجددًا لأسلوب التربية المتسلطة، لمواجهة تمرد الأبناء وعدم انضباطهم السلوكي، بفعل المستجدات التقنية، وهذه إشكالية تحتاج لتدخل أممي، لأنها قد تنتج متطرفين وأصحاب شخصيات مضطربة، إذا مورست ضد الأطفال من مرحلة الولادة إلى سبعة أعوام، لأن اكتمال نمو الدماغ وتكوين الذات يتم خلالها، ولا يتغير طوال حياة الشخص..

قبل قرابة ثلاثة أعوام، وفي تقرير نشرته مجلة (إيريس ماما) الاسبانية، وجد ان مجموعة كبيرة من الآباء والامهات مازالوا يعتقدون بجدوى الضرب في التربية وتصحيح سلوك الابناء، وقد تم تحليل 69 دراسة مختلفة تناولت استخدام الضرب والتعنيف الجسدي كوسيلة تربوبة، ولوحظ أنه لا يوجد دليل علمي على فاعليته في تحسين أو تقويم السلوك، وعندما يعامل الطفل بهذه الطريقة على كل خطأ يرتكبه، فهذا سيجعله يعتقد في مرحلة لاحقة، ان الضرب يمثل الاسلوب الأنسب لحل مشكلاته مع الآخرين، واشارت مجلة (ذا لانست)، في دراسة شارك فيها علماء من كل العالم، ان هذا النوع من التربية القاسية يضر بنمو الطفل العقلي والجسدي، ويؤثر في احترامه لذاته، وفي ثقته بنفسه، ويكرس مفهوم الضحية لديه، والاعتقاد برغبة الكل في تعنيفه، وربما اصبح ميالا اكثر الى العزلة وقلة الكلام.

شبكة (سي إن إن) الاميركية، عرضت لدراسة مهمة في اواخر 2021، قام فيها الباحثون، بملاحظة آلاف العوائل لاكثر من عشرين عاماً، وجاء في نتائجها، ان التربية المعتدلة، التي تقف بين الاستبداد والتساهل، تعتبر الافضل في بناء شخصية متوازنة للاطفال، والمؤكد بحسب المختصين، ان الجريمة والانحراف والعنف، سببها الاساسي تجارب تربوية مؤلمة واختلالات نفسية مرتبطة بالطفولة، وبعلاقة الطفل بوالديه، وأساليب التربية القديمة، وتحديداً في مرحلة الستينات الميلادية من القرن العشرين، وما قبلها، كانت تلجأ الى القسوة والتعامل الصارم مع الطفل، وبما يساعده في بناء شخصية صلبة، تمكنه من مواجهة تحديات الحياة، والفكرة سليمة نسبياً في رأيي، لان اعتماد سياسة الحوار المبالغ فيه، واعطاء هامش حرية واسع للطفل، وبدون مسافة احترام، وحدود فاصلة بينه وبين والديه، قد تقوده الى التمرد والتجاوز اللفظي، وتفقد المؤسسة الوالدية هيبتها، وبالاخص في المجتمعات العربية والخليجية.

بخلاف ان بعض الامهات يمارسن استغلالا فاضحا، لمبدأ الاحق بالصحبة في الحديث النبوي الشريف، وان تكرار الام ثلاث مرات والاشارة الى الاب مرة واحدة، يفيد انها مقدمة عليه واهم منه، ولست عالماً شرعيا ولكني لا اعتقد ذلك، والاصعب انه وعند البحث في موقع (بوب ميد)، الذي يصنف من اهم قواعد بيانات الابحاث العلمية، سنجد 277 الف بحث عن الامهات، في مقابل 51 الف بحث يتناول الآباء، ما يعني ان معاناة الاب مشتركة في معظم الثقافات، ولا احد يعرف تاريخ يوم الاب مقارنة بيوم الأم، مع ان دراسة في جامعة نورث كارولينا الاميركية، اوضحت دور الأب الحيوي والمهم في التطور اللغوي للابناء مقارنة بالامهات، وبصرف النظر عن المستوى التعليمي للأم، فهو يخرج في كلماته عن قاموس الطفل لانه لا يجلس معه طوال الوقت، ما يضيف للاطفال مفردات جديدة باستمرار، واقرب في معناها الى ما يتم تداوله في الواقع، وهذا يمثل إنجازا أبويا لافتاً.

كل اسرة تحرص على صناعة سردية متخيلة عن نفسها، تماما مثلما تفعل الدولة، فالأسرة دولة صغيرة، في رأي الطبيب النفسي الاسكتلندي رونالد لاينغ، والمعنى انها تخفي اشياء وتظهر أخرى، والوالدان، في اوقات الخلافات والانفصال، قد يستخدمان الابناء في صراعاتهما، وهو تصرف انتهازي وينطوي على انانية ونرجسية، لان من سيدفع الفاتورة في النهاية هم الاطفال، وبحسب قائمة اتجاهات التربية لعام 2024، فإن التربية المتساهلة والمسؤولة تراجعت كثيراً، وعادت الاسر مجددا الى أسلوب التربية المتسلطة، لمواجهة تمرد الأبناء وعدم انضباطهم السلوكي، بفعل المستجدات التقنية، وهذه إشكالية تحتاج لتدخل أممي، لأنها قد تنتج متطرفين وأصحاب شخصيات مضطربة، إذا مورست ضد الأطفال من مرحلة الولادة الى سن سبعة أعوام، لان اكتمال نمو الدماغ وتكوين الذات والمفاهيم يتم خلالها، ولا يتغير طوال حياة الشخص.

عاطفة الأبوة والأمومة كانت ومازالت محل احتفاء شعري وفني وابداعي، ولا يمكن المزايدة عليها اطلاقاً، والتغير الثقافي والقيمي في المملكة، وفي غيرها من الدول العربية، يحتاج الى أساليب مبتكرة في التربية، وبما يتناسب مع خصوصيتها الثقافية، التي لا تشبه المجتمعات الغربية في جوانب كثيرة، ولابد من تأهيل الجيل الحالي من الأسر السعودية، ودعم قدراتهم المعرفية في مجال تربية الاطفال، وتعويدهم على تكوين علاقات أفقية وليست عامودية مع أبنائهم، أو بطريقة لا تشبه تعامل الرئيس مع المرؤوس، وانما الزملاء مع بعضهم، وايجاد حلول لمتلازمة (بيتربان) عند بعض الآباء السعوديين، ممن يعيشون طفولة متأخرة، ولا يلتزمون بمسؤولياتهم الأسرية.

هذا بالتأكيد لا يحيد فكرة التوازن والحوار المتعقل، ودورهما داخل الاسرة، بلا تعنيف لغوي او جسدي من الوالدين، أو صداقة وقحة ومستفزة من الابناء، أو حتى تبجيل مبتذل واستعراضي للوالدين من قبل الابناء، في نفاق اجتماعي يخالف واقع الحال، ولا يتفق وحقيقة العلاقة خلف الابواب المغلقة، واصلاح مؤسسة الاسرة على المستوى المحلي، وتحسين ادوارها في التربية، وعلاج التشوهات الموجودة فيها، يفترض ان تكون من اولويات وزارة الموارد البشرية وشركائها في المملكة.