بدخول شهر رمضان المبارك تزداد حدة نزعة وشراهة الاستهلاك الآدمي المفرط وغير المبرر للسلع وللخدمات، وبالذات للسلع الاستهلاكية والسلع الغذائية، بما في ذلك المواد التموينية، وهذا الأمر لا جدال فيه وقد يكون مُسلماً به، باعتبار أنه سلوك بشري في معظم الأحيان تفرضه ظروف معينة ومحددة، مثل ظرف شهر رمضان المبارك الذي يمتنع خلاله الصائم لساعات طويلة من اليوم عن الأكل والشرب.

كما أنه قد يكون مفيداً للاقتصاد النابع من فكرة ومن المدرسة والنظرية الكينزية في الاستهلاك، والتي هي تُعد جزءاً أساسياً من الفكر الاقتصادي للعالم الاقتصادي جون ماينارد كينز التي تركز على العلاقة بين الدخل والاستهلاك وتربط ما بين زيادة دخول الراد وميولهم الاستهلاكية، والذي وفقاً للنظرية الكينزية، بأنه مفيد للاقتصاد، باعتبار أن الإنفاق الاستهلاكي هو المحرك الأساسي للاقتصاد، وأن حث المستهلكين على الإنفاق يُعد هدفاً أساسياً للسياسات الاقتصادية المحفزة على الاستهلاك.

ولكن في الاتجاه المعاكس والمناقض للنظرية الكينزية، والذي لا يمكن قبوله بأي حال من الأحوال، بأنه وفقاً لِما أشارت دراسة حكومية أجرتها (المؤسسة العامة السعودية للحبوب) سابقاً وحالياً الهيئة العامة للأمن الغذائي، التي قدرت أن السعوديين في المملكة العربية السعودية، يهدرون حوالي 4,066 ملايين طن من الطعام سنوياً بقيمة تقدر بنحو 40 مليار ريال سنوياً أو ما يعادل 13 مليار دولار أمريكي، كما ويبلغ نصيب الفرد السعودي من الهدر الغذائي حوالي 184 كيلو جرام سنوياً، والذي يُعد معدلاً مرتفعاً مقارنة بالمعدل العالمي.

تُعزى أسباب الهدر الغذائي والاستهلاكي عموماً إلى عدة عوامل، تأتي في مقدمتها وعلى رأسها: العادات والتقاليد الاجتماعية والأسرية، وضعف ثقافة الشراء والوعي الادخاري، مما تكون محفزات سلبية للأسف الشديد للاستهلاك المفرط غير المبرر للسلع وللمواد سواء الغذائية أو غير الغذائية.

تنبهت الحكومة السعودية مبكراً لإشكالية الهدر الغذائي في المملكة، بتحويلها المؤسسة العامة للحبوب إلى هيئة باسم (الهيئة العامة للأمن الغذائي) لتُعنى بتنظيم الأمن الغذائي وتطويره وتعزيزه، بما يكفل حماية المصالح الحيوية للدولة وأمنها الوطني، ومراقبة الالتزام بالأنظمة والخطط الصادرة بشأنه.

كما وأُطلقت مبادرة وطنية للحد من الفقد والهدر في الأغذية بالمملكة، حيث تنفذ هذه المبادرة على خمس مراحل، بهدف تقليص الكميات المفقودة والمهدرة في الغذاء عبر اتباع أحدث المعايير والتجارب الدولية.

وتٌعدّ المبادرة إحدى مبادرات وزارة البيئة والمياه والزراعة في برنامج التحول الوطني 2020، والسعي نحو تحقيق «رؤية السعودية 2030»، التي تهدف إلى استغلال الموارد الطبيعية بشكل فعّال، وكذلك رفع الكفاءة التشغيلية.

ولأن تتحقق الغايات والأهداف السامية المرجوة والأغراض النبيلة المنشودة، يتطلب من المواطنين والمقيمين في المملكة العربية السعودية التعاون مع الجهود الحكومية الساعية إلى القضاء أو على الأقل التقليل من الفقد والهدر الغذائي إلى أدنى المستويات المقبولة وفق المعايير الصناعية التي تحاول معظم الدول والشركات الصناعية من خلالها التقليل من الفاقد إلى أقل من 10 % كمستهدف واقعي ضمن استراتيجيات الفاقد والتحسين من مستويات الكفاءة الإنتاجية. إن الحد من الهدر الغذائي، بما في ذلك الفقد أثناء عمليات التصنيع، سيكون له مردود اقتصادي عظيم على الاقتصاد الوطني والتعزيز من سلاسل الإمداد، مما يتطلب تعزيز وعي أفراد المجتمع بثقافة الشراء المرشد والمقنن بما يلبي الحاجة ولا يفيض عنها، بحيث لا يتحول بنهاية المطاف إلى هدر غذائي، ستكون عواقبه وخيمة ليس على الاقتصاد الوطني فحسب، وإنما على مداخيل الأفراد والأسر، والذي يتسبب بنهاية الأمر في حدوث إشكاليات مالية ضخمة، سيما وأن الإسراف واللامبالاة في التعامل مع الأغذية من السلوكيات غير الحضارية التي يرفضها الدين الحنيف، وبالذات في مجموعة رئيسة من الأغذية وهي القمح والأرز والتمور وكذلك الخضار والفاكهة إضافة إلى اللحوم الحمراء والبيضاء.

أخلص القول؛ إن التوازن بين الاستهلاك في شهر رمضان ومالية الأسر، أمر محمود للغاية للحد من الفقد والهدر الغذائي في المملكة، بحيث لا يتحول الاستهلاك إلى استهلاك مفرط ومبذر وغير مرشد، وبالذات إذا كان مدفوعاً ومدعوماً بالعروض والإعلانات المغرية والمؤثرة، إضافة إلى التسوق الإلكتروني عبر الإنترنت وتوفر خدمات طلبات التوصيل، التي قد تؤثر جميعها مجتمعة في توجهات السلوك الاستهلاكي غير المبرر، وبالذات للسلع الاستهلاكية ذات الطبيعة الموسمية.