<br />في السنوات الثلاث الأخيرة لا يمكن أن تمرّ على شارعٍ رئيسي أو فرعي، إلا وتجد مطعماً أو مقهى وضع لوحة كبيرة تجذب أنظار المارة، تفيد بأن المحل للتقبيل وهو مصطلح تجاري يعني التنازل عن كافة ما في داخل المحل، لعدم القدرة على إكمال النشاط التجاري وتراكم الخسائر والاقتراب من نهاية قصة الكفاح المؤلمة.<br />لنتفق بدايةً أن التجارة سلوك حضاري يعزز من الاقتصاد، ويصنع الفرص الوظيفية للسعوديين، ويفتح بيوتاً بأكملها وهذا عمل عظيم لا حد لفضله وتأثيره، ولو لم يكن هناك أفراد يعملون في التجارة لأصبح الميزان الاقتصادي مختلاً ومصاباً بالكساد، والدليل على ذلك الدعم الكبير الذي يجده الشاب السعودي والفتاة الطموحة لبناء مسارات تجارية ناجحة، من جهات حكومية متعددة هدفها التمكين والتطوير في مجالات تجارية نوعية.<br />الأمر الآخر والمؤلم، أن البعض يرى أن النجاح في الحياة لا يمكن أن يكتمل إلا بمشروع تجاري ناجح، وأن الوظيفة مهما كانت فهي مجرد ممر ولا يمكن وضعها ضمن دائرة النجاح، لأن هناك من خلط المفاهيم وأفقد بعض أفراد المجتمع ثقتهم في نفسهم، بل تم وصف الوظيفة بالعبودية وأنها المكان الملائم للفاشلين المحبطين، وسرد أفضل الكلمات والمفردات لتصوير أن النجاح في المشروع التجاري هو الحلم المنتظر.<br />إن محاولة تشويه الوظيفة ووضعها في دائرة الضعف والانكسار، هو سلوك غير مسؤول يسهم في زرع الإحباط والكسل وإيقاف عجلة التنمية، والتأثير السلبي على أعداد كبيرة تعمل في بناء الاقتصاد المحلي من كل الجوانب، بل في ذلك سذاجة، فلو توقف كل الموظفين وبدأوا تجارتهم لأصبحت الوزارات والهيئات والشركات فارغة بلا موظفين، خاوية على عروشها وهو ما يجعل كل شيء متوقفاً لا يستطيع التحرك.<br />أما عن القصص المؤلمة للشباب والشابات العاملين في التجارة فإنها محزنة، شباب في عمر الزهور أثقل كاهله بديون طائلة بهدف البحث عن الثراء وملامسة طريق النجاح، خدعتهم كلمات رنانة صوّرت التجارة بأنها سهلة لا تحتاج إلى جهد وعمل، ووعود كالسراب لا يمكن اللحاق بها والوصول إليها، بزعمهم أن الأمر يتوقف على قرار، ولا يظهرون الجانب الآخر الذي يحكي الحقيقة الكاملة لمفهوم التجارة.<br />النجاح في التجارة ليست أمراً مستحيلاً يصعب الوصول إليه، لكنه يتطلب عملاً مستمراً وجهداً حثيثاً ودارسات عميقة، لبناء النموذج التجاري الناجح مع أهمية توفر العوامل المؤثرة والداعمة لفرص النجاح، مثل رأس المال والمعرفة في المجال وتوفّر الوقت وحسن اختيار فريق العمل وغيرها، لتكون جميعها أشبه بالخطة التنفيذية مكتملة الأركان، يمكن لها أن تسير بشكل مثالي وتواجه الصعوبات والعقبات والتحديات.<br />ولأن الوظيفة عنصر رئيس في بناء المجتمعات، اعتبرها الحكماء وخبراء الحياة تجارة بحد ذاتها، لأن قضاء الاحتياجات الضرورية في الحياة والعيش الكريم هي الطموح لأي فرد، وهذه ما يتوفر في الوظيفة التي نهضت بالمجتمعات وأحدثت تأثيراً إيجابياً، خصوصاً أن المنظمات الحكومية والخاصة أصبحت أكثر وعياً وتعمل على تطوير الكفاءات وتحسين بيئة العمل وتعزيز الولاء.<br />@FAlmoaimeed