هو رد السلطة المباشر على الانتقادات الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومحاولة نفي ما ورد فيه من انتقادات لممارسات السلطة تجاه خصومها السياسيين والتضييقات التي فرضت على حرية التعبير.
بيان قد يرا البعض أنه حاد بالدبلوماسية التونسية عن عرفها وخطابها «البارد» الذي ينقل مواقفها ويبين خياراتها دون الخوض في ملفات داخلية شائكة أو الاعتماد على معطيات مضللة تريد من خلالها نفي أية تهمة عنها والخوض في الكثير من التفاصيل التي حجبت الموقف السياسي المتمثل في رفض التدخل في الشؤون الداخلية لتونس.
هذا الموقف الذي حمله البيان تاه في خضم تفاصيل ونقل لمعطيات سبق أن نشرت في حسابات نشطاء منصات التواصل الاجتماعي غير الموثقة ولا تكتسي مصداقية تسمح بأن يقع نقلها إلى الخطاب الدبلوماسي. إن إكساءها صبغة رسمية لا يخدم الرسالة السياسية التي أرادت السلطة أن تبرزها سواء أتعلقت بمسألة السيادة ورفض التدخل الخارجي أو التشديد على استقلالية القضاء في البلاد.
بيان دبلوماسي بدل أن يقدم ردًا هادئًا عقلانيًا عما يوجه من انتقادات لتونس في ملف حقوق الإنسان وما حمله بيان المفوضية من إشارات إلى توظيف القضاء في ملاحقة الخصوم السياسيين والتضييق على حرية التعبير والإعلام، انحرف للأسف وأصبح بيان تشكيك في نوايا الأطراف الدولية المنتقدة، معتبرًا أن تونس مستهدفة بسبب تشبثها باستقلالية قرارها الوطني.
ولم يكتفِ رد الخارجية على الانتقادات الموجهة للسلطات التونسية بذلك، بل سعى إلى تحويل مسار النقاش من مسألة الحريات إلى قضايا أمنية، بالإشارة إلى خطورة التهم الموجهة لبعض المعتقلين، مثل التحريض على الحرب الأهلية والتخطيط لأعمال إرهابية والتخابر مع جهات أجنبية. ولم يعالج هذا الخطاب، بعيدًا عن تقدير صحته من خطئه، جوهر الإشكال الحقوقي، إذ لم يقدّم معطيات قضائية واضحة تثبت خطورة هذه التهم، كما لم يبدد الشكوك حول ما إذا كانت هذه الإحالات القضائية تتم وفق إجراءات تضمن المحاكمة العادلة، أم أنها تستهدف أصواتًا معارضة في ظرف سياسي متوتر.
بيان دبلوماسي اعتمد على نبرة تصعيدية في مواجهة المؤسسات الحقوقية الدولية، كشف عن خطاب المواجهة بدل الانخراط في نقاش عقلاني قائم على التوضيح والطمأنة. الخطاب يؤكد من جهة، على التزام تونس باحترام حقوق الإنسان وفق دستورها وقوانينها، لكنه، من جهة أخرى، يكتفي بالتشديد على خطورة التهم دون الإشارة إلى ضمانات المحاكمة العادلة، بما يجعله يبدو أشبه بمحاولة تبرير للإجراءات القائمة أكثر منه ردًّا مقنعًا يفنّد الاتهامات الدولية.
كما أن التلميح إلى ازدواجية المعايير في تقييم أوضاع حقوق الإنسان، عبر الإشارة إلى أن تونس تمتنع عن التدخل في شؤون الدول الأخرى رغم قدرتها على ذلك، يعكس موقفًا دفاعيًا يوحي بأن السلطات التونسية تعتبر أن الانتقادات الموجهة إليها من قبل الهيئات الحقوقية الدولية هي مجرد استهداف سياسي، لا دعوة حقيقية لمراجعة سياساتها.
يُخشى أن يكون هذا البيان إعلانًا عن دخول الدبلوماسية التونسية في مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: أن الدولة ستعتمد على خطاب المواجهة، بدل فتح قنوات حوار شفافة مع الداخل أو مع الخارج، مما قد يزيد من تعقيد الأزمة بدل حلها. لا يمكن تجاهل دور المجتمع الدولي في تشكيل صورة تونس على المستوى الخارجي، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تجعل البلاد في حاجة إلى شركاء داعمين لا إلى خصوم متوجسين.
كما أن معالجة هذه الأزمة لا يمكن أن تتم بمجرد إصدار بيانات رسمية ترفض التشكيك، بل عبر إجراءات ملموسة تعيد بناء الثقة في استقلالية القضاء، وتؤكد أن التتبعات القانونية لا تستهدف الا منتهكي القانون، لا المعارضين السياسيين والصحفيين وأصحاب الرأي المخالف. في نهاية المطاف، لن يكون الرد الحقيقي على الانتقادات الحقوقية مجرد خطاب سياسي حتى وإن اعتبرته السلطة صلبًا وحازمًا، بل بسياسات واضحة تكرّس الحقوق والحريات وتضمن أن يبقى تطبيق القانون أداة للعدل لا وسيلة للصراع السياسي.