نظّمت الأكاديمية البرلمانية لمجلس نواب الشعب ندوة تحت عنوان « الإستثمار في تونس: الرهانات والتحديات »، أشرف عليها السيد إبراهيم بودربالة رئيس مجلس نواب الشعب، وذلك بحضور السيدة سوسن مبروك نائب رئيس المجلس، والسيد معز بن زغدان رئيس الإتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري وعدد من إطارات الاتحاد، والسيد هشام اللومي نائب رئيس الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية وعدد من إطارات الاتحاد، الى جانب عدد من اطارات وزارة الاقتصاد والتخطيط، والبنك المركزي التونسي وعدد هام من النواب والضيوف.
وأبرز السيد إبراهيم بودربالة رئيس مجلس نواب الشعب في مفتتح الأشغال الأهمية المرتقبة لهذه الندوة في ما يتعلّق بالاستثمار وبالجوانب الاقتصادية ببلادنا، معربا عن الامل في أن يحصل التفاعل الإيجابي بين النواب المشرعين والاطارات العليا للمؤسسات الرسمية للدولة وكذلك المنظمات التي تعنى مباشرة بالاستثمار ومستقبله في بلادنا.
و قدّمت السيدة أميرة الكلاعي المكلفة بالإشراف على الإدارة العامة للإتفاقيات والنزاعات الدولية في مجال الإستثمار بوزارة الاقتصاد والتخطيط عرضا عن سياسة الدولة في مجال الإستثمار، والسياسات والاستراتيجيات التي تعمل عليها الوزارة بهدف دفع هذا القطاع وجعل تونس وجهة جاذبة للاستثمار الخارجي ومحفزة للمبادرة الخاصة. واستعرضت تطوّر المؤشرات المتعلقة بالاستثمار، مشيرة الى البطء الذي شهده نتيجة تأثيرات الأزمات الدولية والحروب والاشكاليات السياسة والاقتصادية في العالم . وبيّنت ان ترتيب تونس في التقارير الدولية يعكس هذه الإشكاليات حيث شهد تراجعا يؤثّر سلبا على استقطاب الاستثمار ات الخارجية.
وبينت ان الصعوبات تتعلق خاصة بضعف الافاق الاقتصادية الدولية وضعف الطلب الخارجي خاصة من الشريك الاقتصادي الأوّل، وتواتر الازمات وتراجع مؤشر ادراك مناخ الاعمال في السنوات الأخيرة إضافة الى اشكاليات المنافسة والسوق الموازية، فضلا عن الصعوبات المتصلة بالفساد والبنية التحتية واللوجستية وغيرها من الاشكاليات التي تواجه المستثمر التونسي والاجنبي على حد السواء. كما أشارت الى ضعف الآليات الموجهة للشباب لإدماجه في المجال الاقتصادي ، مؤكدة حرص الوزارة على مواجهة مختلف هذه التحديات وإيجاد الحلول الملائمة للنهوض بالاستثمار.
وأشارت الى الجهود الرامية الى إضفاء حركية جديدة على الاستثمار، مبرزة أهمية العمل على تحقيق الأهداف المرسومة لضمان نجاعة المنظومة التشريعية المؤسساتية للاستثمار للاستجابة لتطلعات المرحلة، فضلا عن تحسين مناخ الاعمال والاستثمار وبناء علاقة ثقة بين الدولة والمستثمر. وأبرزت أهمية الإرادة السياسية الواضحة في المجال، وتشجيع انجاز المشاريع المهيكلة التي تجلب استثمارات تحقق تنمية عادلة ومتوازنة. ثم تطرقت الى النصوص التشريعية المجسمة لهذه الأهداف واهمية تطويرها ، مؤكدة أهمية تبسيط الإجراءات وتحسين مناخ الاعمال ورقمنة الخدمات المسداة للمستثمرين.
كما أبرزت السيدة أميرة الكلاعي آليات تحقيق هذه الأهداف وفي مقدمتها تنفيذ استراتيجة تحسين مناخ الاعمال والاستثمار ورقمنة مسار المستثمر، التي انطلقت منذ سنة 2023 لتمتد الى سنة 2023 وتهم عدة قطاعات عبر مسار واضح يرتكز بالخصوص على رقمنة الخدمات الإدارية المسداة وعلى الحوار بين القطاعين العام والخاص في جميع المجالات. كما بينت ان اهم الإصلاحات في مناخ الاعمال تتعلق بالملكية العقارية عبر وضع منظومة وطنية موحّدة للمعطيات العقارية في اطار مواجهة مشكلة النفاذ تيسيرا لعمل كل المستثمرين والباعثين الشبان، وتطرقت كذلك الى الإصلاحات المتصلة بالمنظومة الوطنية للتكوين المهني، إضافة الى العناية بالبنية التحتية وكل ما يتصل بتنقل السلع والموارد البشرية، وتشجيع التجارة عبر الحدود، فضلا عن الإصلاحات المتصلة بالقطاع البنكي ومنظومة الجباية التي تتطلب مراجعة شاملة.
وتطرّقت من جهة أخرى الى مسالة بعث المشاريع مؤكّدة أهميتها في تشجيع المبادرة الخاصة ومساندة المستثمر في مرحلة الإحداث ، مشيرة الى المسار الحالي لإحداث المؤسسة وما يتطلّبه من إصلاحات في اتجاه تبسيطه لتخفيف العبء على المستثمر.
وبعد أن أشارت الى البوابة الوطنية للمستثمر التي تمثّل نقطة نفاذ موحدة لمختلف الخدمات الإدارية لفائدة المؤسسة وسترافقها في مسارها وذلك انطلاقا من سنة 2026، تطرقت السيدة أميرة الكلاعي الى تحسين المنظومة التشريعية للاستثمار مشيرة الى بعض الإشكاليات المتعلقة بتطبيق بعض التشريعات، وهو ما يتطلب مراجعتها مشيرة في هذا الصدد الى مشروع القانون الافقي للاستثمار الذي هو بصدد الاعداد ليعرض قريبا على مجلس الوزراء ثم للمصادقة من قبل مجلس نواب الشعب. كما تطرقت كذلك الى عمل الوزارة منذ سنة 2020 على مراجعة الاتفاقيات الدولية للاستثمار لضمان التوازن بين مصلحة الدولة التونسية ومصلحة المستثمر الأجنبي.
وبيّنت المتدخلة من جهة أخرى أهمية الاستثمار كعنصر رئيسي لخلق الثروة وما يتطلّبه من حوكمة ناجعة وتحسين مناخ الاعمال وتشجيعات وحوافز مختلفة والقطع مع المنظومات التشريعية السابقة التي لا تتماشى مع متطلبات المرحلة.
ثم تناولت بالتحليل عمل الوزارة على مراجعة تراخيص تعاطي الأنشطة الاقتصادية والتي تمثّل عوائق لممارسة هذه الأنشطة، حيث يتم الحرص على تقليصها بالنظر الى ارتفاع عددها مع التمييز بين نوعين من التراخيص تهم الأولى ممارسة الأنشطة الاقتصادية وتحدّد النفاذ الى السوق، والثانية تهم التراخيص الإدارية . واكّدت في هذا الاطار أهمية حذف التراخيص من حيث الاستغناء عن الرقابة المسبقة وإرساء الرقابة البعدية اللاحقة التي تسهل العمل وتجعل المعني قادرا على انجاز الاستثمار.
وبعد أن استعرضت مختلف التراخيص الراجعة بالنظر إلى عديد الوزارات وخصوصياتها وطرق إسنادها، أبرزت الجهود التي بذلت من حيث الاستغناء عن العديد منها وحذفها وتعويضها بكراسات شروط، مع الحرص على إبقاء تلك التي تحمي المصلحة الوطنية والاقتصاد الوطني وتنظّم مختلف القطاعات. وأشارت في ذات الاطار الى بعض سلبيات كراسات الشروط وما تتطلبه من مراجعات تفاديا للآثار السلبية ومزيد تبسيط الإجراءات . وأبرزت الجهود المبذولة من قبل الوزارة في هذا الصدد.
ثم تطرّقت المتدخلة الى عمل الوزارة على إرساء الاستراتيجية الوطنية للنهوض بالمؤسسات الصغرى والمتوسطة مؤكّدة دورها المحوري وقيمتها الاقتصادية ومساهمتها في توفير مواطن الشغل، وتكريس التنمية العادلة، وهو ما يدعو الى تعزيز قدرتها التنافسية وتوفير آليات وبرامج لفائدتها وكذلك هياكل إحاطة ودعم خاصة، مع إجراءات تتلاءم مع دورها ونوعية الاشكاليات التي تواجهها. واشارت الى المنهجية التشاركية المتوخاة في هذا الصدد والاعتماد على التجارب المقارنة بهدف إقرار اطار خاص موجه للمؤسّسات الصغرى والمتوسطة مع توحيد الجهود في هذا الشأن وتفادي تشتت السياسات المعتمدة.
وتطرّقت في نهاية المداخلة الى مسائل تتعلق بأممية اعتماد خارطة استثمارية وطنية شاملة تهدف الى تحديد الاستثمارات وتوجيهها بطريقة مدروسة وتقدّم تصوّرا شاملا للفرص الاستثمارية المتوفرة، مشيرة في هذا الاطار الى أهمية التعرّف على خصوصيات فرص الاستثمار حسب الجهات والمناطق ودورها في الترويج والتسويق للوجهة الاستثمارية التونسية التي تبقى دون المأمول وتتطلب مجهودا مضاعفا لتحقيق الطموحات.
ثم تولى السيد معز اللجمي المدير العام للسياسة النقدية بالبنك المركزي التونسي تقديم عرض حول دور البنك المركزي التونسي في دفع الإستثمار. وبيّن في بداية مداخلته أنّ التطور الاقتصادي يتطلب تحقيق الأهداف الاقتصادية الأربعة المتمثلة في النمو الاقتصادي وتحقيق التوازن الخارجي والتشغيل والتقليص من التضخم، وذلك يتطلب تضافر سياسات محدّدة وهي سياسة الماليّة العموميّة والسياسة النقديّة وسياسة سعر الصرف والسياسة الاحترازيّة الكليّة والسياسة التجاريّة والسياسة القطاعيّة وسياسة التشغيل.
وعرض في هذا الاطار رسما بيانيا لتطوّر نسبة النمو منذ 2001 والى غاية 2024، موضّحا سلسلة الصدمات الدّاخليّة والخارجية التي أدّت إلى وقوع الاقتصاد في فخّ النمو المنخفض كان آخرها الجفاف والشحّ المائي.
كما أكّد أن دفع الاستثمار يقتضي تضافر جهود كلّ الأطراف المعنية، مشيرا إلى أن مجالات تدخّل البنك المركزي تتمثّل في دعم الاستقرار الاقتصادي وتطوير القطاع المالي واستقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر.
وتطرّق السيّد معزّ اللّجمي خلال مداخلته إلى دور السياسة النقديّة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي وعلاقته الوثيقة بجلب الاستثمار، حيث يتمثّل دور البنك المركزي في المحافظة على قيمة العملة والتحكّم في التضخّم، والتي تعتبر مسؤوليّة كبيرة لدورها في تحقيق استقرار الاقتصاد.
وبيّن في هذا الاطار أن السيطرة على التضخم والإبقاء عليه في مستويات منخفضة تساهم في توفير بيئة اقتصاديّة قادرة على جذب وتعزيز الاستثمار على الصعيدين المحلّي والأجنبي ودفع مستوى التشغيل وبالتالي الارتقاء بمستوى المعيشة لجميع المواطنين.
كما استعرض السياسة النقديّة للبنك المركزي في علاقة بالتحكم في التضخّم والرجوع به لمستويات مقبولة، موضحا أنها سياسة حذرة نظرا للمخاطر المحيطة بالتضخم. وأكّد أنّ هذه السياسة النقديّة الحذرة مكّنت من التقليص من العجز في احتياطي العملة والحفاظ على استقرارها.
ثمّ تطرّق السيّد سفيان بنور، المدير العام للتعديل والرقابة الاحترازيّة الكليّة بالبنك المركزي التونسي، إلى دور السياسة الاحترازيّة الكليّة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي. واستعرض في بداية مداخلته الظرفيّة الاقتصاديّة التي تتّسم بتوالي الصدمات على غرار جائحة كوفيد والتوترات الجيوسياسيّة، وغياب تمويلات بديلة للتمويل البنكي التقليدي، وتأخّر المؤسّسات التونسيّة ورواد الأعمال على مستوى التحوّل التكنولوجي والطّاقي، وتشديد متطلّبات السياسة الاحترازيّة نظرا لتفاقم المخاطر.
كما قدّم المشهد الحالي للقطاع المالي وأهمّ المؤشّرات ذات الصّلة، مشيرا إلى تعدّد المتدخّلين في القطاع المالي بهدف تغطية مختلف احتياجات التمويل.
واستعرض في جانب آخر من مداخلته المهام القانونيّة للبنك المركزي المتمثّلة أساسا في الحفاظ على استقرار الأسعار والمساهمة في الحفاظ على الاستقرار المالي، ومراقبة شروط ممارسة البنوك للعمليات البنكيّة.
وتناول السيّد سفيان بنور دور البنك المركزي في تعزيز الاستثمار في الاقتصاد الأخضر، وذلك بالنظر إلى ما يوفّره من فرص استثماريّة واعدة خاصة في الطاقات المتجدّدة والتكنولوجيات النظيفة، مبرزا عمل البنك المركزي على تعزيز مساهمة البنوك في مجال الاقتصاد الأخضر، لاسيما عبر تعزيز حوكمة المخاطر المناخيّة داخل البنوك، وتطوير قواعد البيانات واعتماد أفضل الممارسات في هذا المجال.
وتطرّق إلى دور البنك المركزي في تعزيز الاستثمار المباشر عبر التمويل التشاركي لاسيما عبر استكمال كل الإجراءات لبعث منصات التمويل التشاركي، مستعرضا مزايا هذه الآلية في تحفيز الاستثمار على غرار تقليل الضغط على النظام المصرفي وتوفير بدائل تمويليّة أكثر تنوّعا. كما أبرز دور التثقيف المالي في زيادة الوعي المالي وتعزيز الاستثمار من خلال تمكين الأفراد والشركات من اتخاذ قرارات ماليّة مدروسة ومستدامة.
كما استعرض شبكة الأمان المالي التي عمل البنك المركزي على ارسائها وتعزيزها باعتبارها ضمانة للاستقرار المالي ودعامة للاستثمار والتي تحمي المودعين والمستثمرين من المخاطر المحتملة، وذلك من خلال تفعيل عدد من الآليات على غرار الرقابة المصرفية الفعالة، ومنظومة المقرض الأخير، ومنظومة ضمان الودائع البنكيّة وهيئة الرقابة الاحترازية الكلية والتصرف في الأزمات الماليّة.
وأكّد في نهاية مداخلته الدّور الاقتصادي الهام والمحوري للبنك المركزي في معاضدة مجهودات الدّولة في دفع الاستثمار إلى جانب دوره النقدي الأساسي.
وقدّم السيد هشام اللومي نائب رئيس الإتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، عرضا عن رؤية القطاع الخاص للإستثمار في تونس. وأبرز في البداية أهمية هذه المبادرة التي تتنزل في إطار البحث عن سبل دفع الاستثمار كأداة أساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية والرقيّ الاجتماعي.
وابرز دعم الاتحاد لكل المبادرات الساعية للاستثمار . ودفعه باستمرار بالملف الاقتصادي والتنموي إلى واجهة الاهتمام، مضيفا أن هذا الحرص ازداد مع الأزمات التي مرت بها بلادنا على غرار بقية بلدان العالم مثل جائحة كوفيد 19- وتداعيات الحرب الروسية الاكرانية.
كما بيّن أن الوضع الاقتصادي للبلاد يتطلب مضاعفة الجهد والعمل على توفير مناخ مشجع على الاستثمار، وتحسين الإطار الذي تنشط فيه المؤسسة وتعبئة كل الطاقات من أجل خلق فرص عمل جديدة للشباب وخاصة المتخرج من الجامعات. وأضاف أن مناخ الاستثمار بحاجة إلى العديد من القرارات الشجاعة والجريئة وعلى رأسها تحرير الاستثمار وتشجيع المبادرة الخاصة.
كما أبرز الحاجة إلى نقلة نوعية في مجال تشجيع الاستثمار وتحريره والتي تتطلب اتباع سياسة جبائية تحقق النمو وتشجع على الاستثمار والتصدير، الى جانب الاعتناء بكل عناصر التنافسية وخاصة منظومات الإنتاج التي تحقق السيادة الغذائية والصحية والطاقية. وبيّن أهمية إقرار أفضل التشريعات في مجال الاستثمار بالاعتماد على دراسات مقارنة مع البلدان المنافسة وتحيين هذه التشريعات بصفة متواصلة حتى تكون تونس دوما أفضل وجهة للاستثمار.
وأشار كذلك الى أهمية القيام بصفة دورية بدراسات مقارنة مع البلدان الشبيهة بتونس والمنافسة لها خاصة من حيث القدرة التنافسية والامكانيات اللوجستية والنظام الجبائي والقدرة على استقطاب الاستثمار الأجنبي. وابرز من ناحية أخرى ضرورة تشجيع التصدير من خلال إعداد خطة متكاملة مع إعادة النظر في بعض الاتفاقيات التجارية غير المتوازنة التي تضر بالنسيج الاقتصادي الوطني.
كما تطرّق الى ما يتطلبه تشجيع الاستثمار وتحريره من تشجيع على تدويل المؤسسة التونسية وعلى تواجدها بالخارج لفتح آفاق للمنتجات التونسية في الأسواق الأجنبية وتوظيف الكفاءات التونسية وتأطيرها، مبرزا في ذات السياق أهمية إيجاد حلول عاجلة لقضية تمويل الاستثمار والمشاريع سواء للشباب أو للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، وكذلك إصلاح مجلة الصرف لتكون في مستوى مجلات الصرف المعمول بها في البلدان المنافسة لتونس وهو ما يسهل استقطاب الاستثمار الأجنبي لبلادنا وكذلك الاستثمار التونسي بالخارج، مع التصدي للتهريب و دمج القطاع غير المنظم في القطاع المنظم، وكذلك رفع العراقيل على المشاريع المعطلة ومزيد العناية بالبحث و بالتجديد وبمواكبة التكنولوجيا والمراهنة على المعرفة وخلق القيمة المضافة واقتحام مجالات الصناعات الذكية لأنها تمثل المستقبل وتحدوها آفاق واعدة.
وأبرز من ناحية أخرى ضرورة مراجعة قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتدعيم نظام اللزمات، ومزيد العناية بالتونسيين بالخارج وتشجيعهم على الاستثمار في تونس وعلى تسويق المنتجات التونسية ببلدان إقامتهم، مشيرا الى أهمية العمل على الاستفادة من موجة إعادة توجيه الاستثمارات التي ظهرت على المستوى العالمي جراء تداعيات الكوفيد والحرب الروسية الاكرانية بالنظر الى وجود فرص حقيقية لتكون تونس وجهة للمستثمرين الأجانب الذين يسعون إلى نقل نشاطهم لوجهات جديدة.
وبيّن السيد هشام اللومي أن دفع الاستثمار هو السبيل الوحيد للتشغيل والتصدير وخلق الثروات وتنمية الدخل الوطني و تحقيق الاستقرار والرفاه، مؤكّدا القدرة على مواكبة المتغيرات والاستثمار في الصناعات الذكية والمتطورة وفي الطاقات المتجددة وفي كل المجالات المرتبطة بالسيادة الوطنية وخاصة الغذائية والصحية والطاقية . وأشار في ذات السياق الى أن فرص الاستثمار تتوفر في القطاع الصناعي والفلاحي والصيد البحري والسياحة والصناعات التقليدية والخدمات شَرط تَوَفَّر المناخ المناسب وتطوير التشريعات التي تعزز من تنافسية الاقتصاد.
كما أكّد أهمية تطوير مفهوم الديبلوماسية الاقتصادية وتطوير علاقاتنا مع شركائنا التقليديين والبحث عن شركاء جدد على قاعدة تحقيق المصلحة المشتركة والتركيز على تجسيد تكامل اقتصادي حقيقي مع ليبيا والجزائر واستكمال تجسيد مشروع بعث المنطقة التجارية الحرة المشتركة التونسية الليبية. وأضاف أن المعادلة المهمة التي يجب تحقيقها هي دفع الاستثمار لأنه السبيل الوحيد لتحقيق التنمية والرقي وخلق مواطن الشغل.
وبيّن في الختام ما أظهره القطاع الخاص خلال السنوات الأخيرة من قدرة على الصمود أمام المصاعب والمتغيرات والتأقلم مع الظروف الوطنية والعالمية، مؤكّدا أنّه واصل القيام بدوره في مجالات الاستثمار والتصدير والتشغيل.
وأشار الى وجود فرص واعدة للاستثمار يمكن إنجازها بالاعتماد على ما راكمه القطاع الخاص في تونس من تجربة وبفضل التطور الذي أحرزته الصناعة التونسية على مدى عقود من العمل والجهد والتطوير والتحديث.
وقدّم السيد معز بن زغدان رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري عرضا حول « الاستثمار في القطاع الفلاحي أداة لدفع التنمية »، حيث بيّن أن الهوية الاقتصادية لتونس هي بالأساس هوية فلاحية بالنظر إلى الثقل الذي يمثله القطاع الفلاحي اقتصاديا وتنمويا وتشغيليا. وأشار في هذا الصّدد إلى أنّ القطاع الفلاحي يساهم بـ%10 من الناتج الداخلي الخام، و13% من اجمالي القوى العاملة، و12% من قيمة الصادرات الوطنيّة.
كما بيّن أنّ القطاع الفلاحي قاد قاطرة النمو سنة 2024 وساهم بـ 0,97 نقطة مئوية في نسبة النمو المسجلة للناتج المحلي الإجمالي، وأنّ قطاع الإنتاج الفلاحي والغذائي سجل أقوى نمو في الصادرات سنة 2024 بنسبة 25,6 % إلى موفى شهر نوفمبر الماضي( حصيلة 11 شهرا ).
وتطرّق السيد معز بن زغدان إلى البعد السيادي للفلاحة وارتباطها المباشر بالأمن القومي مبيّنا أنّ الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري يعتبر أن مشروع السيادة الغذائية ليس فقط مشروع الفلاح وإنما هو مشروع وطن وشعب بأكمله لأن الفلاحة قطاع يرتبط مباشرة بأمن الوطن وقوت الشعب.
وتناول خلال مداخلته المخاطر والتحديات الجديدة المرتبطة بتغير المناخ والشح المائي وظهور أمراض مستجدة نباتية وحيوانية، وأفاد في هذا الاطار أنّه من المتوقع أن تسجل تونس حسب تقرير صادر عن المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية من سنة 2022 إلى 2050 ، انخفاضا مستمرا في إنتاج الزراعات الكبرى بـ %1 وانخفاضا مستمرا في إنتاج البطاطا بـ 7 %, وتراجعا في قطاع الإنتاج الحيواني بنسبة تتراوح بين 0,3 % و 0,9 %.
وأكّد أنّ هذه التحديات والمخاطر تتطلب تشريعات واستثمارات جديدة وتتطلب خاصة توفير مناخ استثماري محفّز ومشجّع على الإنتاج.
كما بيّن أنّه رغم الأرقام الهامة التي تحققها الفلاحة على مستوى الإنتاج والتصدير فإن منوال التنمية المعتمد منذ عقود تجاهل الاستثمار في الفلاحة الوطنية واعتمد خيار التعويل على التوريد من الخارج، وقدم مؤشرات حول محيط الاستثمار، تتمثّل خاصة في 7 % نسبة تمويل البنوك للقطاع الفلاحي و6,4 %حصة القطاع الفلاحي من مجموع الاستثمارات على المستوى الوطني.
وأفاد بأن الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري يعتبر أن نجاح الاستثمار في القطاع الفلاحي يتطلب ثورة تشريعية وقانونية تفتح الطريق أمام بناء جهاز إنتاج وطني قوي وقادر على الصمود أمام كل المتغيرات المناخية والاقتصادية والاستثمار في المعرفة من خلال البحث العلمي والإرشاد لأن جزءا مهما من الحلول لتطوير فلاحتنا وضمان استدامتها يكمن في نتائج البحث العلمي التي لا يصل إلا 5 % منها للفلاح.
وتطرّق في نهاية مداخلته إلى اقتراح الاتحاد إحداث صندوق وطني للاستثمار في السيادة الغذائية يكون دوره دعم وتمويل كل البرامج الفنية و مشاريع البحث العلمي والتكنولوجي وبرامج الإرشاد والتكوين مستعرضا مصادر موارده المقترحة.
وخلال النقاش شدّد النواب على ضرورة المرور من مرحلة التشخيص إلى الإنجاز واتّخاذ القرارات الشجاعة، منوّهين بتجارب عديد الدّول الشبيهة لتونس. وذكّروا بالحاجة الملحّة لمراجعة مجلّة الصرف ومجلّة الاستثمار ، وأبدوا استياءهم من عدم إحالتهما على مجلس نواب الشعب إلى الآن ، معتبرين أنّ الأحكام الواردة فيهما معطّلة للاستثمار والتنمية وتحول دون القيام بالإصلاح والتغيير. وأكّدوا، في علاقة بالتعقيدات الاداريّة وغياب التنسيق بين الإدارات، ضرورة تركيز ملف الاستثمار لدى وزارة الاقتصاد والتخطيط للحدّ من تشتّت الإجراءات وتعدّد الأطراف المتدخلة.
وأبدى النواب انفتاحهم على كلّ المبادرات التشريعيّة نحو تبسيط الإجراءات والتقليص من التراخيص لدفع الاستثمار. كما تطرّقوا إلى أهميّة الثبات التشريعي في مجال الجباية، واعتبروا أنّ عدم الاستقرار الجبائي منفّر للمستثمرين وأنّه لابدّ من قاعدة جبائيّة واحدة.
وتمّت الاشارة إلى أهميّة الرّقمنة في تطوير الاقتصاد وما حقّقته بعض الدّول في مجال التحوّل الرّقمي والدعوة إلى النسج على منوالها ومجاراتها في ما حقّقته من تطوّر بفضله.
ودعا النواب إلى ضرورة تدعيم العلاقات الاقتصاديّة مع السوق الافريقيّة حتى تكون تونس فعليا بوابة افريقيا الإقتصادية . وفي هذا الصّدد دعوا إلى ضرورة تجهيز البنية التحتيّة اللّازمة على غرار انشاء مطار ضخم وميناء مياه عميقة.
وأثار النواب بعض الإشكاليات التي تعترض المستثمرين في المجال الفلاحي وغياب الرؤى والاستراتيجيات في هذا المجال. وتمّت الاشارة في هذا السياق إلى الوضعيّة المزرية للفلّاحين في بعض المناطق بسبب الشحّ المائي وسبل مواجهة هذا الإشكال حتى يستأنفوا نشاطهم. بالاضافة إلى مشكل بطء اسناد التراخيص لحفر الآبار.
كما تمّ التطرّق إلى ارتفاع مؤشّرات الفساد والدّعوة في هذا الصّدد إلى الترفيع في العقوبات لمجابهة هذه الآفة.
ودعا بعض النواب وزارة الاقتصاد والتخطيط لانشاء وحدة خاصّة بالدراسات والتخطيط للمشاريع العموميّة، بالنظر إلى الاخلالات التي تقوم بها مكاتب الدراسات الخاصّة. كما تمّت الدّعوة إلى تفعيل الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاصّ.
The post مجلس نواب الشعب ينظّم ندوة تحت عنوان « الإستثمار في تونس: الرهانات والتحديات » appeared first on موقع الصحفيين التونسيين بصفاقس.